أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفصل الثاني: جبل عمّان - الدبلوماسي الأنيق الذي لا يشيخ

مدار الساعة,مناسبات أردنية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب رفاد العياصرة -

في عمّان، الجبال ليست جغرافيا، هي طبقات اجتماعية، هي مزاج، هي سيرة ذاتية.

إذا أردت أن تفهم عمّان الحقيقية، لا تذهب إلى المولات الزجاجية في عبدون، ولا إلى ضجيج وسط البلد. اصعد إلى جبل عمّان.

هذا الجبل لا يصرخ ليلفت انتباهك، هو يهمس. هو ليس الأعلى، ولا الأكبر، لكنه الأكثر هيبة. هو الرجل الذي يدخل المجلس ببدلة قديمة لكنها أنيقة، فيصمت الجميع احتراماً. لأنه الأصل.

سمّوه قديماً "جبل عمّان"، كأن باقي الجبال مجرد أسماء، وهذا هو الجبل الذي أخذ اسم العاصمة كلها.

يمتد جبل عمّان بكل كبرياء من *الدوار الأول إلى الدوار الثالث*. هذه المسافة القصيرة على الخريطة، هي 70 سنة من تاريخ الأردن كله.

امشِ فيه وستفهم ما أقصده. هنا *شارع الرينبو*، لكن لا تنظر للمقاهي، انظر فوقها. انظر إلى *بيوت الحجر الأصفر* التي جُلبت من عين يبرود. انظر إلى الشبابيك المقوسة، إلى شجر الياسمين الذي يتدلى من فوق الأسوار، إلى *بيت بلاد الشام* وبيت الشريف ناصر بن جميل، بيوت كانت تجتمع فيها قرارات الدولة على فنجان قهوة.

هذا لم يكن حياً عادياً، هذا كان *جبل الأغنياء القدامى والوزراء والباشوات*. في الأربعينات والخمسينات، لم يكن هناك شيء اسمه عبدون أو دير غبار. إذا كنت وزيراً، أو سفيراً، أو تاجراً كبيراً، فعنوانك يجب أن يكون: جبل عمّان. كان هو "عبدون" زمانه، لكن عبدون بعراقة، بلا استعراض.

ولهذا، صنع هذا الجبل لنفسه دستوراً غير مكتوب، دستور من كلمتين فقط: *"العيب" و "البرستيج".*

هنا، كل شيء محسوب. ممنوع تنشر غسيل على البلكونة، لأن منظر البلكونة أهم من راحتك. ممنوع ترفع صوت المسجل، لأن صمت الجار مقدس. ممنوع تترك سيارتك بطريقة عشوائية، لأن الشارع مرآة لساكنيه. البرستيج هنا ليس تكبراً، هو اتفاق ضمني أننا نحترم المكان الذي نسكنه، فيحترمنا المكان.

*حياته اليوم: كيف نجا من الموت؟*

معظم الأحياء العريقة في العالم العربي ماتت. هجرها أهلها وتحولت إلى خرابة.

جبل عمّان قرر أن لا يموت، بل قرر أن يتنكر بذكاء.

اليوم، هو لم يعد حياً سكنياً خالصاً. البيت الذي كان يسكنه جدك، أصبح مكتبة تقرأ فيها كتاباً مع فنجان قهوة. الفيلا التي كانت تربي فيها أمك أطفالها، أصبحت مطعماً إيطالياً أو مركزاً ثقافياً يعزف فيه العود كل خميس. والكراج القديم أصبح غاليري للفن.

تحول من حي نائم بعد الساعة السادسة، إلى أكثر مكان صاحٍ في عمّان.

قد تظن أن هذا تشويه، أن السياح والمقاهي سرقوا روحه.. الحقيقة عكس ذلك.

جبل عمّان هو الجبل الوحيد في عمّان الذي استطاع أن يفعل المستحيل: فتح أبوابه لكل جنسيات الأرض، للأمريكي والإيطالي والسوري واللبناني، باعهم قهوته وكتبه، لكنه لم يبع هويته.

ادخل أي حارة جانبية بعيداً عن الرينبو، ستجد نفس العجوز العمانية تسقي ريحانها على البلكونة، ونفس الجار القديم يقول لك "كيف حالك يا خالتي". هو الجبل الذي يحاول بكل عناد وأدب، أن يبقى عمانياً.. رغم كل العالم الذي سكنه.


مدار الساعة ـ