أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

متى ينزل الراتب؟


د. نضال المجالي

متى ينزل الراتب؟

مدار الساعة (الغد) ـ

سؤال يتكرر في كل بيت تقريبا مع اقتراب نهاية الشهر، وقد يبدو السؤال بسيطا، لكنه في الحقيقة يحمل وراءه قصة اجتماعية واقتصادية كاملة.

الموظف لا ينتظر الراتب لأنه يريد أن يفرح به. هو ينتظره لأنه يريد أن يدفع ما عليه. قسط البنك، فاتورة الكهرباء، الماء، الإنترنت، إيجار المنزل، مصروف الأسرة، وقود السيارة الذي يرتفع دون توقف، ومصاريف المدارس والاحتياجات اليومية، كل هذه الالتزامات لا تنتظر تحسن الظروف ولا تعرف كثيرا عن النظريات الاقتصادية.

ولهذا، يصل الراتب أحيانا إلى الحساب وكأنه لم يصل أصلا، جزء منه محجوز، وجزء آخر ينتظر، وما يتبقى منه يبدأ رحلة طويلة حتى نهاية الشهر.

وهنا يصبح الراتب أكثر من مجرد دخل شهري، يصبح مؤشرا على مستوى المعيشة، وعلى قدرة الأسرة على مواجهة ارتفاع الأسعار، وعلى مساحة الأمان التي تستطيع أن توفرها لنفسها.

نحن نتحدث كثيرا عن التضخم، واستقرار الأسعار، والنمو، والاستثمار، وتحسن المؤشرات الاقتصادية، وهي أرقام مهمة وضرورية، لكن المواطن لديه مؤشر اقتصادي آخر، أبسط من كل هذه المؤشرات: ماذا بقي من راتبه في العشرين من الشهر؟

وهنا تبدأ المسألة الاجتماعية، فإذا ارتفع الدخل، لكن ارتفعت معه تكلفة الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات، فإن المواطن قد لا يشعر بأن دخله تحسن بالقدر نفسه. المشكلة ليست دائما في قيمة الراتب الاسمية، وإنما في القوة الشرائية التي يمثلها هذا الراتب.

وهذا ما يجعل الحديث عن تحسين مستوى المعيشة أكثر أهمية من الحديث عن زيادة الدخل وحدها. فالمواطن يريد أن يشعر بأن الاقتصاد يتحسن في حياته، لا أن يسمع فقط أن الاقتصاد يتحسن في الأرقام.

وهنا تحديدا يأتي التحدي أمام رؤية التحديث الاقتصادي. الرؤية ليست مجرد مشاريع واستثمارات وأرقام نمو، في نهايتها يجب أن تصل نتائجها إلى المجتمع: فرص عمل أفضل، دخول أكثر قدرة على مواجهة تكاليف الحياة، خدمات أفضل، إنتاجية أعلى، قطاع خاص أقوى، وفرص أوسع أمام الشباب. والأهم من ذلك كله: الثقة.

الثقة بأن العمل يستطيع أن يوفر حياة كريمة. الثقة بأن الدخل يمكن أن يتحسن. الثقة بأن المستقبل لا يعني التزامات أكثر ودخلا ثابتا. الثقة بأن الإصلاح الاقتصادي ليس مجرد برنامج حكومي، وإنما مسار يلمس حياة الناس. لأن المواطن في النهاية لا يعيش داخل مؤشر اقتصادي. هو يعيش داخل منزل، ويدفع فاتورة، ويشتري حاجاته، ويركب سيارته، ويدفع قسطه، ويفكر في تعليم أبنائه، ويحاول أن يترك شيئا للطوارئ.

ولهذا، فإن أفضل اختبار لأي تحسن اقتصادي قد لا يكون في نهاية السنة، ولا في تقرير اقتصادي طويل. يكون في سؤال بسيط جدا: هل وصل الموظف إلى نهاية الشهر دون أن يستدين؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نبدأ الشهر بالراتب، ثم نقضي بقية الشهر في انتظار الراتب التالي. بل إن بعضنا يبدأ، منذ ثاني يوم من بداية كل شهر، في تمني الوصول سريعا إلى آخره- وكأننا ندعو على أنفسنا بتعجيل انقضاء العمر- ليس لأننا نريد اختصاره. بل لأن نهاية الشهر أصبحت عند كثيرين تعني بداية فرصة جديدة للنجاة المالية.

وهنا يجب أن يكون السؤال أكبر من موعد نزول الراتب: متى يصبح الراتب مصدرا للطمأنينة بدل أن يكون موعدا جديدا للقلق؟

عندها فقط يمكن أن نقول إن تحسن الاقتصاد بدأ يتحول فعلا إلى تحسن في حياة الناس. فالاقتصاد الناجح ليس فقط الذي ينمو. بل الذي يجعل الناس يشعرون أنهم أحياء. ولكن أكثر صدقا لا يوجد ثقة سوى في علاقة الراتب مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي والتي ترتبط باستدامة الدخل بعد توقف الراتب.

مدار الساعة (الغد) ـ