ثمة مفارقة يصعب فهمها في بلد يتحدث كثيرا عن دعم الصناعة الوطنية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير فرص العمل لأبنائه، كما يطول الحديث عن خطط زيادة الصادرات، وتعزيز الاعتماد على الذات.
في زياراتنا لمؤسسات حكومية أو شركات في القطاع الخاص، تقدم مياه أو عصائر لشركات غير أردنية، بعضها عربي وأخرى أجنبية، مع أن الأسواق الأردنية مليئة بمنتجات محلية من الأصناف نفسها، وبجودة منافسة.المفارقة الأكبر، حين يكون هذا السلوك صادرا عن مؤسسات يفترض أنها معنية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدعم الاقتصاد الوطني، فمن غير المنطقي أن ندعو المواطن إلى شراء المنتج الأردني، بينما لا يظهر الالتزام نفسه في مشتريات المؤسسات والشركات.دعم الصناعة الوطنية لا يمكن أن يكون شعارا نرفعه في المؤتمرات وحملات الترويج، فالامتحان الحقيقي يظهر في فواتير الشراء، ليكشف الازدواجية التي نمارسها بحق الصناعة المحلية.عملية الشراء هي قرار اقتصادي، وحين تشتري مؤسسة منتجا أردنيا، فإن المال يذهب لصاحب المصنع، والعمال الذين يتقاضون رواتبهم، والموردين وشركات النقل والتوزيع، إضافة لقطاعات التغليف والتسويق والخدمات، واستثمارات يمكن أن تتوسع كلما نما الطلب. الدينار الذي ينفق على المنتج المحلي يمتلك فرصة أكبر لإعادة تدويره داخل الاقتصاد الوطني.ينبغي عدم الاستهانة بالمشتريات المؤسسية، لكن الأمر يصبح مختلفا إذا جمعنا مشتريات الوزارات والدوائر والمؤسسات العامة والجامعات والبنوك وشركات الاتصالات والفنادق والشركات الكبرى والمؤسسات الأهلية طوال عام كامل. حينها سنكون أمام سوق كبيرة وقوة شرائية هائلة.الخسارة تمتد إلى صورة المنتج الوطني في أذهان الناس، فحين نجد العلامة الأجنبية في المؤسسات والشركات، فإن ذلك يبعث رسالة ضمنية مفادها أن هذه العلامة هي الأكثر جودة أو مكانة أو جدارة، لنصنع بأيدينا ثقافة استهلاكية تربط الجودة بالأجنبي، وتضع المنتج المحلي بمرتبة أدنى قبل تجربته أصلا، ما يشكل ظلما كبيرا للصناعة الوطنية.لا يعني ذلك أن نشتري المنتج المحلي لمجرد أنه محلي، فالصناعة الوطنية لا تحتاج إلى مجاملة، ولا ينبغي أن نطالب المستهلك بشراء سلعة رديئة أو مرتفعة السعر تحت عنوان الوطنية. مثل هذا التفكير يسيء إلى الصناعة أكثر مما يخدمها، لأنه يحمي الضعف ويقلل دوافع التطوير. المطلوب أنه عندما يتوافر منتج أردني بالجودة والمواصفات المطلوبة وبسعر منافس، فينبغي أن تكون له الأولوية.هذه قاعدة اقتصادية يمكن أن تتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة، بأن تبدأ المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى بمراجعة سياسات مشترياتها. كما يمكن وضع مؤشرات سنوية لنسبة المشتريات المحلية، خصوصا في القطاعات التي يمتلك الأردن فيها قاعدة إنتاجية جيدة، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والبلاستيكية والورقية والأثاث والملابس وغيرها.القطاع الخاص معني بالأمر بالقدر نفسه، فالمسؤولية الاجتماعية للشركات لا تنحصر بالتبرعات والمنح ورعاية الأنشطة. الشركة التي تخصص جزءا أكبر من مشترياتها لموردين ومنتجين محليين تمارس شكلا أكثر استدامة من المسؤولية الاجتماعية، لأنها تساهم في رفع الطلب وخلق فرص العمل، ودعم شركات أخرى تعمل داخل الاقتصاد.لا نطالب بإغلاق السوق أمام المنتجات الأجنبية، فالمنافسة ضرورية، والانفتاح الاقتصادي حقيقة لا يمكن التراجع عنها. ما ينبغي نقده هو تلك القناعة المستترة التي تجعل بعضنا يشعر بأن تقديم علامة أجنبية أمام ضيوفه أكثر وجاهة، وأن المنتج المحلي يصلح للاستهلاك الشخصي.هذه الثقافة هي التي ينبغي تغييرها، لأننا لا نستطيع أن نطالب بمصانع أقوى، وتشغيل أكبر، واستثمارات أكثر، ثم نوجه جزءا من قدرتنا الشرائية إلى الخارج عندما يكون أمامنا البديل الوطني المناسب.لماذا لا تثق مؤسساتنا بمنتجاتنا؟
مدار الساعة (الغد) ـ