في الأردن لا أحد يختلف على أن الشباب هم القوة الأكبر في المجتمع، وأنهم عنوان المستقبل وأحد أهم ركائز مشروع التحديث السياسي والإداري والاقتصادي ،لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل نتعامل مع الشباب باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل، أم باعتبارهم جمهورًا مطلوبًا حضوره في الفعاليات؟
هذا السؤال أضعه أمام وزير الشباب ووزارة الشباب، ليس من باب النقد للوزارة أو التقليل من جهودها، وإنما من باب الحاجة إلى تطوير طريقة العمل الشبابي والانتقال بها إلى مستوى أكثر تأثيرا واتصالا بالواقع.لقد أصبح لدينا عدد كبير من الورش والندوات والحوارات والمعسكرات والبرامج الشبابية، وهذا أمر إيجابي ،لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأنشطة إلى غاية بحد ذاتها، أو عندما تتكرر الوجوه ذاتها في معظم الفعاليات، بينما يبقى آلاف الشباب في المحافظات والألوية والقرى خارج دائرة الوصول الحقيقي ،فالشاب الذي يحضر كل الندوات ليس بالضرورة هو الشاب الذي يمثل صوت الشباب ،وهذه حقيقة يجب أن نواجهها بشجاعة.فليس من الصعب أن تجمع عشرات الشباب في قاعة، وتطرح عليهم مجموعة من الأسئلة، ثم تخرج بتوصيات جميلة، التحدي الحقيقي هو أن تصل إلى الشاب الذي لم تصله الدعوة أصلًا، والذي لا يعرف أحدا في الوزارة، ولا ينتمي إلى شبكة من العلاقات التي تتيح له المشاركة المتكررة في البرامج.لذلك أقول :اذهبوا إلى الشباب قبل أن تطلبوا منهم أن يأتوا ،فإذا أردنا فعلًا أن نعرف ماذا يريد الشباب الأردني، فعلينا أن نخرج من المكاتب والقاعات إلى الميدان.على الوزير أن يضع برنامجًا وطنيًا واضحًا للاستماع إلى الشباب في جميع المحافظات،،وأن يصل إلى الألوية والبلديات والقرى والمناطق البعيدة ،ولتكن اللقاءات جلسة استماع حقيقية، وليطرح عليهم اسئلة مثل :ما الذي يعيقكم؟ما الذي ينقص مناطقكم؟ما الذي يجب أن تغيره الحكومة؟ما الذي تستطيعون أن تقدمونه أنتم؟وما الأفكار التي لديكم ولا تجد طريقها إلى التنفيذ؟ وأن يكون الوزير حلقه وصل مع الوزارات والمؤسسات الحكومية المعنيه ونقل الأفكار والمقترحات والأحتياجات لها .إن من أكثر القضايا التي تستحق المراجعة في العمل الشبابي أن تتحول بعض الفعاليات، من حيث لا نقصد، إلى مساحة تتكرر فيها الأسماء نفسها ،فالشاب النشط والمعروف لدى الوزارة يشارك في برنامج، ثم آخر، ثم مؤتمر، ثم ورشة، ثم حوار، بينما هناك شاب آخر في منطقة بعيدة لم تتح له فرصة واحدة. وهذا لا يعني أن الشباب المشاركين غير مؤهلين أو غير جديرين، وإنما يعني أن العدالة في الوصول إلى الفرص الشبابية يجب أن تكون هدفًا بحد ذاته.هناك فرق كبير بين أن نستضيف الشباب في فعالية، وبين أن نجعلهم شركاء في تحديد الأولويات ،الوزارة تستطيع أن تؤسس في كل محافظة مجلسًا شبابيًا استشاريًا يضم شبابًا من مختلف المناطق والقطاعات، مع آلية واضحة وشفافة لتجديد العضوية، حتى لا يتحول المجلس نفسه إلى دائرة مغلقة ،وتكون مهمته الاستماع إلى الشباب، ورصد القضايا المحلية، ورفع المقترحات إلى الوزارة، ومتابعة ما تم الأخذ به وما لم يتم الأخذ به.وبذلك يصبح المركز الشبابي في المحافظة ليس فقط مكانًا لتنفيذ نشاط، وإنما منصة دائمة لصناعة السياسات الشبابية من الأسفل إلى الأعلى ، ومن المقترحات ايضا أن تنشئ وزارة الشباب قاعدة بيانات وطنية للأفكار والمقترحات الشبابية ،منصة بسيطة يستطيع أي شاب أو شابة من خلالها تقديم فكرة أو مشكلة أو مقترح ،ثم تقوم الوزارة بتصنيف هذه الأفكار حسب المحافظة والقطاع والأولوية،فهذه الشفافية وحدها يمكن أن تعيد بناء جزء كبير من الثقة ،فالجيل الجديد لا يريد أن يسمع فقط عبارة “ملاحظاتكم محل اهتمامنا" بل يريد أن يعرف ماذا حدث بعد أن قدمنا ملاحظاتنا .ونحن اليوم أمام الاستراتيجية الوطنية للشباب 2026–2030، فإن الفرصة أكبر من مجرد إعداد وثيقةجديدة ،فالاستراتيجية الناجحة ليست التي تكتبها المؤسسات للشباب، وإنما التي يشارك الشباب في صياغتها وتحديد أولوياتها ومراقبة تنفيذها ،ولذلك يجب أن تكون الاستراتيجية انعكاسًا حقيقيًا لاختلاف احتياجات الشباب بين محافظة وأخرى ،فما يحتاجه شاب في العاصمة ليس بالضرورة ما يحتاجه شاب في الكرك أو الطفيلة أو المفرق أو معان أو جرش أو عجلون أو البلقاء أو إربد أو الزرقاء ،ومن هنا يجب أن تكون هناك مساحة حقيقية للاختلاف في الأولويات والحلول.وزير الشباب لا يستطيع أن يحل كل مشاكل الشباب، وهذه ليست مهمته وحده أصلًا،لكن يستطيع أن يكون صوت الشباب داخل مجلس الوزراء ،وهذه ربما أهم وظيفة سياسية يمكن أن يؤديهاوزيرالشباب عندما يسمع شابًا في محافظة من مشكلة تتعلق بالتعليم أو العمل أو النقل أو التدريب أو الاقتصاد أو المشاركة السياسية، عليه أن ينقلها إلى المكان الذي يمكن أن تحل فيه .فالوزارة لا ينبغي أن تكون جزيرة منفصلة عن بقية الدولة، وإنما يجب أن تكون الجسر الذي ينقل صوت الشباب إلى مركز القرار فهي من أهم الوزارات إن تم إدراك دورها .مشروع التحديث السياسي فتح الباب أمام الشباب للمشاركة، لكن التحدي الحقيقي ليس في زيادة عدد الشباب في الصور والندوات، وإنما في زيادة عدد الشباب الذين يمتلكون قدرة حقيقية على التأثير وصناعة القرار ،فنحن نريد شبابًا في الأحزاب، وفي المجالس المحلية، وفي المؤسسات، وفي مواقع الإدارة، وفي لجان صنع السياسات ، لكن الأهم هو تمكين الشباب للمشاركة في صناعة القرار ،وهذا يتطلب أن تتغير فلسفة العمل الشبابي نفسها.ختاما ….على وزارة الشباب أن تسأل نفسها سؤالًا بسيطاً ماذا لو أوقفنا جميع الورش والندوات لمدة شهر، وخرجنا فقط إلى المحافظات نستمع إلى الشباب، ماذا سنكتشف؟ربما سنكتشف أفكارًا لم تصلنا ،ومشكلات لم نسمع بها ،وشبابًا لديهم طاقات هائلة لم يحصلوا على فرصة ،وأشخاصًا لا يعرفون أصلًا كيف يصلون إلى الوزارة.الأردن لا يعاني من نقص في الشباب، ولا من نقص في الأفكار ،ما ينقصنا أحيانًا هو أن نفتح الطريق بين الفكرة وصاحب القرار ،لذلك، فإن رسالتي إلى وزير الشباب اذهبوا إلى الشباب واستمعوا إليهم وغيّروا الوجوه ، وافتحوا الأبواب لمن لم يصل ،وهنا فقط نكون قد انتقلنا من الحديث عن الشباب إلى العمل مع الشباب ومن أجل الشباب.الشباب لا يريدون أن نلتقي بهم فقط.. بل أن نسمعهم
مدار الساعة ـ