أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل يمكن تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص للشباب؟


محمد حاتم الروسان

هل يمكن تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص للشباب؟

مدار الساعة ـ

ماذا لو لم تكن كل أزمة اقتصادية مجرد مشكلة يجب تجاوزها، بل كانت أيضًا فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي نعمل وننتج ونبني بها مستقبلنا؟

قد يبدو السؤال مثاليًا في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، وصعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة، وتزايد المنافسة في سوق العمل لكن الحقيقة أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها الشباب اليوم تفرض علينا البحث عن إجابات جديدة، بدل الاكتفاء بتكرار الحلول التقليدية ، الشاب الذي يدخل سوق العمل اليوم لا يبحث فقط عن وظيفة، بل يبحث عن فرصة؛ فرصة ليستخدم مهاراته، ويحقق دخلًا مناسبًا، ويطور نفسه، وربما يؤسس مشروعه الخاص ، وهنا تبدأ القضية الحقيقية

لسنوات طويلة، ارتبط نجاح الشاب بالحصول على وظيفة مستقرة، غالبًا في القطاع العام أو مؤسسة كبيرة أما اليوم، فإن تغير طبيعة الاقتصاد والتكنولوجيا وسوق العمل يجعل هذا النموذج وحده غير كافٍ لاستيعاب طموحات جميع الشباب ، وهذا لا يعني أن الوظيفة لم تعد مهمة، بل يعني أننا بحاجة إلى توسيع مفهوم العمل نفسه ، فالشاب الذي يمتلك مهارة في التصميم أو البرمجة أو التسويق الرقمي أو صناعة المحتوى أو التجارة الإلكترونية يمكنه اليوم الوصول إلى أسواق لم تكن متاحة للأجيال السابقة وقد يستطيع أن يقدم خدماته لعميل داخل الأردن أو خارجه دون أن يغادر مدينته لكن امتلاك المهارة وحده لا يكفي فنحن بحاجة إلى بيئة تساعد الشباب على تحويل المهارات إلى دخل، والأفكار إلى مشاريع، والمشاريع الصغيرة إلى أعمال قابلة للاستمرار وهنا يأتي دور المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني ، إذا كنا نريد من الشباب أن يكونوا جزءًا من الحل الاقتصادي، فلا يكفي أن نقول لهم: (ابدأوا مشاريعكم). يجب أن نسأل: هل إجراءات تأسيس المشروع بسيطة؟ هل التمويل متاح بشروط مناسبة؟ هل توجد برامج تدريب مرتبطة فعلًا باحتياجات السوق؟ هل يستطيع صاحب المشروع الوصول إلى العملاء؟ وهل يستطيع الاستمرار عندما يواجه أول أزمة؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من إطلاق عشرات البرامج التي تنتهي بانتهاء فترة المشروع ، كما أن أحد أهم التحولات المطلوبة هو الانتقال من ثقافة الوظيفة إلى ثقافة المهارة

الوظيفة قد تكون إحدى نتائج المهارة، لكنها ليست النتيجة الوحيدة فالمهارة يمكن أن تفتح بابًا للعمل الحر، أو مشروع صغير، أو شراكة، أو منتج جديد، أو فرصة في سوق عالمي ، وهنا يمكن للتعليم أن يلعب دورًا محوريًا ، فالجامعة التي تخرج آلاف الشباب كل عام لا ينبغي أن يكون هدفها الوحيد تخريج باحثين عن وظيفة، بل يجب أن تساعدهم أيضًا على فهم السوق، وإدارة المشاريع، والتسويق، والتعامل مع التكنولوجيا، وإدارة المال، وبناء المسار المهني ، وفي المقابل، علينا ألا نقع في فخ تحميل الشباب وحدهم مسؤولية الأوضاع الاقتصادية ، ليس من المنطقي أن نقول لشاب يعاني من البطالة أو ضعف الدخل: (كن رياديًا) وكأن الريادة حل سحري لكل مشكلة ; بعض الشباب يحتاجون إلى وظائف، وبعضهم يحتاج إلى تدريب، وبعضهم يمتلك فكرة مشروع، وبعضهم يحتاج إلى تمويل، وآخرون يحتاجون إلى سوق يستطيعون الدخول إليه ، لذلك فإن الحل الحقيقي يجب أن يكون متعدد المسارات ، ومن الفرص التي يمكن البناء عليها أيضًا الاقتصاد الرقمي فالعالم يتغير بسرعة، والأردن يمتلك قاعدة من الشباب المتعلمين والقادرين على التعامل مع التكنولوجيا لكن تحويل هذه الميزة إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى ربط التعليم باحتياجات الأسواق المحلية والعالمية، وتوفير البنية اللازمة للعمل الرقمي، وتعزيز المهارات التي يزداد الطلب عليها ، كما أن المحافظات خارج العاصمة يجب ألا تبقى خارج هذه المعادلة .

الفرص الاقتصادية لا ينبغي أن تكون مرتبطة بالموقع الجغرافي فقط ، التكنولوجيا يمكن أن تجعل الشاب في إربد أو الكرك أو معان قادرًا على تقديم خدمة لعميل في عمان أو الخليج أو أي سوق آخر ، وهنا يمكن أن يتحول الاقتصاد الرقمي من مجرد قطاع جديد إلى أداة لتوزيع الفرص بصورة أوسع ، لكن هناك فرصة أخرى لا تقل أهمية: المشكلات نفسها يمكن أن تصبح أسواقًا جديدة ; مشكلات النقل، والطاقة، وإدارة النفايات، والخدمات الرقمية، والسياحة، والزراعة، والرعاية، والتعليم، وغيرها، ليست فقط تحديات أمام المجتمع، بل يمكن أن تكون مجالات لأفكار ومشاريع يقودها الشباب ، فكل مشكلة تحتاج إلى حل، وقد يكون وراء هذا الحل مشروع وفرصة عمل.

المطلوب إذن ليس أن نطلب من الشباب تجاهل التحديات الاقتصادية، بل أن نمنحهم الأدوات التي تمكنهم من التعامل معها.

نحتاج إلى تمويل أكثر مرونة، وتدريب أكثر ارتباطًا بالسوق، وإجراءات أبسط، وشراكات حقيقية، ومساحات أكبر للتجربة والخطأ، وثقافة لا تعتبر فشل المشروع نهاية الطريق ، والأهم أننا بحاجة إلى النظر إلى الشباب باعتبارهم جزءًا من الاقتصاد، وليس مجرد مستفيدين من برامجه ، فالشباب ليسوا فقط باحثين عن وظائف؛ هم مستهلكون ومنتجون ورواد أعمال ومبتكرون وأصحاب مهارات يمكن أن تخلق قيمة حقيقية ، وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نحمي الشباب من التحديات الاقتصادية؟ بل: كيف نبني اقتصادًا يستطيع الشباب من خلاله تحويل جزء من هذه التحديات إلى فرص؟ الإجابة لن تكون في برنامج واحد أو قرار واحد، وإنما في منظومة متكاملة تعترف بأن سوق العمل تغير، وأن مهارات المستقبل تختلف، وأن الشباب يحتاجون إلى فرصة حقيقية لا إلى شعارات ، فالأزمة الاقتصادية قد تضيق الخيارات، لكنها في الوقت نفسه تدفع المجتمعات إلى البحث عن طرق جديدة.

والتحدي الحقيقي أمامنا هو أن لا يكون الشباب مجرد من ينتظر الفرصة، بل أن يصبح قادرًا على صناعة الفرصة، وتوسيعها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية يستفيد منها هو والمجتمع من حوله.

مدار الساعة ـ