أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هذا الرفض مدفوع الثمن


ماهر ابو طير

هذا الرفض مدفوع الثمن

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

من اللافت للانتباه أن القدرة على التغيير في المجتمع أمام أزمات يومية، منخفضة جدا، وتحتار أين يكمن الخلل، فهل تشير مقاومة التغيير إلى عناد أم إلى عدم قناعة وتجاوب؟

هناك أمثلة كثيرة على الرفض الاجتماعي، الذي يترك أثره على الناس، إذ مثلا ترتفع البطالة بالآلاف بين الأطباء، ولا يجد الخريج الجديد مكانا للإقامة والتخصص في المستشفيات، وهناك حالة بطالة بين الأطباء حتى المتخصصين، ورغم ذلك يصر الطلبة على دراسة الطب، آلاف في الأردن، وآلاف في مصر، وآلاف في كل مكان، بما يعني أن هذه الأزمة تتفاقم بشكل حاد.

ما يزال التعريف الاجتماعي لدينا للتفوق يرتبط بأمرين؛ أولهما معدل النجاح في الثانوية العامة، وأن يكون في التسعينات وربما فوق الخمسة والتسعين، والنتيجة الحتمية دراسة الطب داخل الأردن أو خارجه، على الرغم من أن الواقع والأرقام كلها تشير إلى مستقبل صعب جدا، أو البقاء في خانة الطبيب العام الذي لا يحترف تخصصا، بما يعنيه ذلك من أثر معنوي ومالي ومهني.

لم تؤد كل المؤشرات إلى أي تغيير، وبقينا في ذات سياق التعريفات الاجتماعية، أي الحاجة إلى لقب هذا دكتور، وذاك مهندس، وهذا صحفي، وذاك محامٍ، رغم كل التغيرات المهنية والاقتصادية، وربما سيقال هنا إن هذه حرية شخصية للطالب، وهذا صحيح، لكن عليه إدراك الكلفة مسبقا، وأمامه كل المؤشرات التي يجب أن تدفعه لتغيير مساره وكسر التقاليد، وهذه الحالة الأردنية تعد حالة عربية أيضا، ونجدها في دول عديدة، تعاني بشكل أسوأ وأصعب.

ملف آخر، ارتفاع نسبة عدم الزواج، وهي نسبة مرعبة بين الذكور والإناث، في ظل البطالة، وعدم توفر فرص الحياة، وانخفاض الأجور، وبالرغم من ذلك تتصلب الفتيات في شروط الزواج أكثر، ولا يقدمن أي تنازلات في المهر، أو مراسم الخطبة والزواج، أو تأثيث البيت وغير ذلك، وتظل كل واحدة منهن للأسف أسيرة لأحلامها الوردية من جهة، وخاضعة أيضا لما سيقوله الجيران، وبنات العم والصديقات، والأهل والأقارب عن زواج بسيط بدلا من زواج فخم.

هذه حرية شخصية أيضا، لكن لماذا لا تتغير العائلات هنا، ولا تتغير الصبايا، ولماذا لا نعيد إنتاج فهمنا للزواج، وهل الشعوب الغربية التي تتزوج بطريقة بسيطة جدا، ومن دون كلف، تعد متأخرة ونحن الأكثر تطورا؟ الذي يقرأ نسب عدم الزواج في الأردن ودول عربية يشعر بالذهول أمام المشهد، والمشكلة أنه لا رجال التربية والتعليم، ولا رجال الدين الأفاضل، ولا الإعلام، ولا الأهالي تجاوبوا مع المتغيرات الخطيرة، وبقي كل شيء على حاله، وكأن كل فتاة تعتقد أنها مميزة، وأنها فريدة النوع، وأن عليها عدم الاستعجال بانتظار رجل لا مثيل له، وهو رجل غير متوفر، في عالم عربي، يزحف فيه الرجال على وجوههم من أوضاعهم الصعبة.

من المؤسف هنا أن التجاوب مع التغيرات يحدث فقط مع التغيرات السلبية التي تهدد بنية المجتمعات من خلال نسخ أنماط معيشية واقتصادية واجتماعية حافلة بنقاط الضعف والمآخذ وعدم اللياقة، أما التغيرات الإيجابية التي تحمي كل مجتمع من الداخل، وتصون مستقبل أفراده، فلا أحد مستعد للتجاوب معها، لأن كل فرد لديه وجهة نظر، وهو لا يريد أن يبدأ من عنده، ويعتقد أنه الاستثناء، وأن التغيير يجب أن يبدأ من عند غيره أولا، ثم يتبعه هو.

هذه ليست خطبة نهاية الأسبوع فوق رؤوسكم، لكنها بحق محاولة لدعوة الناس لكسر القواعد التي لم تعد صالحة ليومنا هذا، ولحماية بنية مجتمعاتنا من الداخل، إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا.

نرفض التغيير ونطبق وصفات لم تعد صالحة لحياتنا وزماننا.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ