في كل مرة يتقدم فيها الذكاء الاصطناعي خطوة جديدة، يتغير السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدول والمجتمعات حول مستقبلها. فلم يعد السؤال الأساسي هو: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل بالذكاء الاصطناعي؟ ومن يستطيع الوصول إليه واستخدامه بصورة منتجة؟ ومن يمتلك المهارات التي تمكنه من تحويل هذه التكنولوجيا من أداة للاستهلاك إلى أداة للتعلم والعمل والإنتاج وريادة الأعمال وخلق القيمة الاقتصادية؟
هذا التحول في طبيعة السؤال بدأ يظهر بوضوح في بعض التجارب الدولية الحديثة، ومن أبرزها تجربة كوريا الجنوبية التي انتقلت في عام 2026 من التركيز على تطوير القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي إلى طرح مفهوم «الذكاء الاصطناعي للجميع» بوصفه جزءًا من البنية الأساسية للمجتمع والاقتصاد. فقد أعلنت وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية عن مشروع «AI for All» بهدف إتاحة خدمات ذكاء اصطناعي عامة لجميع المواطنين، مع توجه لإطلاق خدمة محادثة عامة مجانية وغير محدودة الاستخدام، ثم تطويرها لاحقًا باتجاه وكلاء ذكاء اصطناعي شخصيين. كما خصصت الحكومة الكورية في موازنة عام 2026 نحو 5.1 تريليون وون للتحول بالذكاء الاصطناعي، ضمن موازنة الوزارة البالغة 23.74 تريليون وون، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه قطاعًا تقنيًا متخصصًا إلى كونه أولوية وطنية مرتبطة بالنمو والإنتاجية والمشاركة المجتمعية.والأهم في التجربة الكورية ليس حجم الاستثمار وحده، وإنما الفكرة التي تقف خلفه: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية للتعلم والعمل والحصول على الخدمات واتخاذ القرارات، فإن الوصول إليه والقدرة على استخدامه لا ينبغي أن يبقيا امتيازًا لفئة محدودة من المهندسين والمبرمجين والمتخصصين في التكنولوجيا. ولهذا تتحدث السياسة الكورية عن بناء مجتمع يستطيع فيه المواطن العادي استخدام الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية، فيما تتولى الشركات الخاصة تطوير الخدمات وتقديمها على نطاق واسع. وقد اختارت الحكومة بالفعل ثلاثة ائتلافات تقودها شركات SK Telecom وKakao وKT لتنفيذ مشروع «AI for All».هذه التجربة تطرح سؤالًا مهمًا بالنسبة إلى الأردن، لكنه سؤال لا ينبغي أن يبدأ من مقارنة حجم الاقتصاد الأردني بالاقتصاد الكوري، ولا من محاولة تقليد البنية التقنية أو حجم الإنفاق الكوري. السؤال الأكثر واقعية هو: كيف يمكن للأردن أن يستفيد من التحول نفسه في فلسفة التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وأن يحوله من موضوع تقني إلى قضية مرتبطة بالإنسان والشباب والعمل وريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية؟الأردن ليس أمام فراغ استراتيجي في هذا المجال. فقد أقرت الحكومة الأردنية الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي وخطتها التنفيذية للأعوام 2023–2027، وتتضمن الخطة 68 مشروعًا موزعة على خمسة أهداف رئيسية تشمل بناء القدرات والمهارات، وتشجيع البحث والتطوير، وتعزيز الاستثمار وريادة الأعمال في الذكاء الاصطناعي، وتوفير البيئة التشريعية والتنظيمية المناسبة، وتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع العام والقطاعات ذات الأولوية.وهذا يعني أن التحدي الأردني لم يعد يتمثل في غياب الرؤية الاستراتيجية، وإنما في السؤال التالي: كيف ننتقل من الاستراتيجية والمشروعات والبرامج إلى قياس قدرة الإنسان الأردني، وبالأخص الشباب، على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة تؤدي إلى نتائج اقتصادية واجتماعية حقيقية؟تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى واقع سوق العمل الأردني. فبحسب منظمة العمل الدولية، بلغت نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا وغير المنخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب، أو ما يعرف بـNEET، نحو 35.3% في عام 2023، فيما كان 66.7% من هؤلاء الشباب خارج قوة العمل أصلًا، وليسوا مجرد باحثين عن عمل. كما بلغت النسبة بين الشابات 45.4% مقارنة بـ26.3% بين الشباب الذكور. وهذه الأرقام لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحل مشكلة البطالة أو عدم النشاط الاقتصادي بصورة تلقائية، لكنها تجعل الاستثمار في أدوات جديدة لرفع قابلية الشباب للتعلم والعمل والإنتاج أكثر إلحاحًا.ومن هنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يتم الخلط بينهما: «التدريب على الذكاء الاصطناعي» و«الجاهزية للذكاء الاصطناعي». فالشاب قد يحصل على دورة تدريبية في أدوات الذكاء الاصطناعي، ويستطيع استخدام نموذج لغوي أو إنتاج صورة أو تلخيص نص، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أصبح أكثر قدرة على الحصول على وظيفة، أو إنشاء مشروع، أو زيادة إنتاجيته، أو تقديم خدمة جديدة، أو حل مشكلة حقيقية في شركة أو مؤسسة، أو تحويل المعرفة التي اكتسبها إلى قيمة اقتصادية.الجاهزية مفهوم أوسع من المهارة التقنية. إنها قدرة متكاملة على فهم الذكاء الاصطناعي واستخدامه بصورة مسؤولة، وتوظيفه في التعلم والعمل، وتحسين الإنتاجية، وتطوير الأفكار والمشروعات، والتكيف مع الوظائف المتغيرة، وخلق خدمات ومنتجات جديدة، والمشاركة في الاقتصاد الرقمي. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يقاس ليس فقط «كم شابًا تم تدريبه على الذكاء الاصطناعي؟»، بل «كم شابًا أصبح أكثر قدرة على التعلم والعمل والإنتاج وخلق القيمة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟».هذه النقلة في طريقة التفكير يمكن أن تشكل أساسًا لإطار وطني جديد تحت مسمى Jordan AI Youth Readiness Framework – J-AYRF، أو «إطار الجاهزية الوطنية للشباب الأردني للذكاء الاصطناعي». ولا ينبغي أن يكون هذا الإطار استراتيجية جديدة موازية للاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي، ولا برنامجًا تدريبيًا إضافيًا ينافس البرامج القائمة، وإنما أداة تنفيذ وقياس تساعد على ترجمة التوجهات الوطنية إلى نتائج يمكن قياسها على مستوى الشباب.ويقوم الإطار المقترح على اعتبار الجاهزية مسارًا يبدأ من المعرفة ولا ينتهي عندها. تبدأ المرحلة الأولى بالوعي والفهم الأساسي للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إمكاناته وحدوده ومخاطره وأخلاقيات استخدامه. ثم تنتقل الجاهزية إلى قابلية التوظيف، بحيث يستطيع الشاب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلم وإعداد السيرة الذاتية وتحليل المعلومات وتحسين الأداء المهني والتكيف مع متطلبات الوظائف الجديدة. ثم تنتقل إلى ريادة الأعمال، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتحليل المشكلات واختبار الأفكار وفهم الأسواق وتطوير النماذج الأولية والوصول إلى العملاء. وبعد ذلك تأتي الإنتاجية، أي قدرة العامل أو صاحب المشروع على استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الوقت والتكلفة وتحسين جودة العمل. وفي المستوى الأعلى تأتي المشاركة الاقتصادية، حيث يصبح من الممكن قياس ما إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي قد أدى فعليًا إلى وظيفة، أو دخل جديد، أو عميل جديد، أو مشروع، أو منتج، أو خدمة، أو زيادة في إنتاجية منشأة قائمة.وهنا يمكن أن يتحول «J-AYRF» من مجرد إطار مفاهيمي إلى أداة وطنية للقياس من خلال إنشاء Jordan AI Youth Readiness Index، أي «مؤشر الجاهزية الوطنية للشباب الأردني للذكاء الاصطناعي». ويقيس المؤشر، بصورة دورية، مجموعة من الأبعاد مثل المعرفة الأساسية، الاستخدام الفعلي، الجاهزية الوظيفية، الجاهزية الريادية، الإنتاجية، والقدرة على خلق قيمة اقتصادية. ويمكن من خلاله بناء صورة أكثر دقة عن مستوى الجاهزية بين المحافظات والتخصصات والفئات العمرية، وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى تدخلات مختلفة بدل التعامل مع الشباب باعتبارهم مجموعة واحدة متجانسة.وتكمن أهمية هذا المقترح في أنه ينقل تقييم البرامج من قياس المدخلات والأنشطة إلى قياس النتائج. فعدد المتدربين، وعدد الدورات، وعدد ساعات التدريب، وعدد الشهادات، كلها مؤشرات مهمة لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الأثر. المؤشر الأكثر أهمية هو ما يحدث بعد التدريب: هل أصبح الشاب قادرًا على استخدام الذكاء الاصطناعي في وظيفة؟ هل أصبح أكثر إنتاجية؟ هل طور خدمة يمكن بيعها؟ هل بدأ مشروعًا؟ هل حصل على عميل؟ هل استخدم الذكاء الاصطناعي لحل مشكلة حقيقية في شركة؟ هل أصبح قادرًا على المنافسة في سوق عمل محلي أو عالمي؟ومن هنا ينبغي أن يكون القطاع الخاص جزءًا من هذا النموذج، لا مجرد جهة تمول البرامج. فالانتقال الحقيقي إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ربط الشباب بالمشكلات الفعلية التي تواجه الشركات. ويمكن، مثلًا، أن تقدم الشركات تحديات حقيقية في التسويق وتحليل البيانات وخدمة العملاء وسلاسل الإمداد والموارد البشرية والمحاسبة والتصنيع والزراعة والسياحة والخدمات، ثم تعمل فرق شبابية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير حلول لهذه التحديات. عندها يتحول التدريب من قاعة تعليمية مغلقة إلى تجربة إنتاجية مرتبطة بالسوق، ويتحول الشاب من متلقٍ للتدريب إلى مشارك في حل مشكلة اقتصادية حقيقية.وهذا المسار يتوافق أيضًا مع طبيعة الاقتصاد الأردني وموارده. فليس مطلوبًا من الأردن أن ينافس الدول الكبرى في تصنيع الرقائق الإلكترونية أو بناء أكبر مراكز البيانات أو تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة، بل يمكن أن يبني ميزة أكثر واقعية حول رأس المال البشري، والشباب، وريادة الأعمال، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية المختلفة. وتملك المملكة أصلًا قاعدة رقمية مهمة؛ إذ تشير بيانات وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة إلى أن انتشار استخدام الإنترنت بين السكان بلغ 90.5% في عام 2022، كما أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي نفسها تضع الموارد البشرية الأردنية والبنية التحتية الرقمية ضمن عناصر المنظومة الوطنية الداعمة لتبني الذكاء الاصطناعي.لكن توفر الاتصال بالإنترنت لا يعني تلقائيًا الجاهزية للذكاء الاصطناعي، كما أن امتلاك الهاتف الذكي لا يعني القدرة على استخدام التكنولوجيا لإنتاج قيمة اقتصادية. الفجوة القادمة ستكون بصورة متزايدة في نوعية الاستخدام وليس فقط في إمكانية الوصول. وهذا ما يجعل مفهوم «الجاهزية» أكثر أهمية من مفهوم «الوصول» وحده.وبناءً على ذلك، يمكن أن يقوم المقترح العلمي الأردني على تنفيذ برنامج تجريبي لمدة اثني عشر شهرًا في عدد من المحافظات، يبدأ بقياس خط الأساس للجاهزية لدى عينة من الشباب، ثم يقدم تدخلات تطبيقية مرتبطة بالتعلم والعمل وريادة الأعمال، ويشرك القطاع الخاص والجامعات وحاضنات الأعمال ومراكز الشباب والمنصات الرقمية القائمة، ثم يعيد القياس بعد انتهاء البرنامج. ولا يكون الهدف النهائي هو عدد الشباب الذين اجتازوا التدريب، وإنما مقدار التغير الذي حدث في قدراتهم واستخدامهم الفعلي للذكاء الاصطناعي، ثم أثر ذلك على العمل والدخل وريادة الأعمال والإنتاجية.وفي نهاية الدورة التجريبية يمكن إصدار التقرير الوطني الأول لجاهزية الشباب الأردني للذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقدم رقمًا عامًا فقط، وإنما يرسم خريطة للجاهزية والفجوات، ويحدد القطاعات التي يمتلك فيها الشباب فرصًا أكبر لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ويربط نتائج المؤشر بمؤشرات العمل وريادة الأعمال والإنتاجية، ويقدم لصناع السياسات والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات التنمية قاعدة بيانات تساعدهم على توجيه الاستثمار والتدخلات بصورة أكثر دقة.إن القيمة الحقيقية لمفهوم «الذكاء الاصطناعي للجميع» لا تكمن في أن يحصل الجميع على أداة ذكاء اصطناعي، وإنما في أن يصبح الجميع أكثر قدرة على استخدامها بطريقة مفيدة. وبالنسبة إلى الأردن، فإن المعنى الأكثر أهمية لذلك هو أن يصبح الشباب قادرين على الانتقال من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى توظيفها في بناء مستقبلهم الاقتصادي. ولذلك فإن المقترح العلمي لا ينبغي أن يتوقف عند إطلاق برنامج جديد، بل أن يتجه نحو بناء إطار وطني للجاهزية، ومؤشر وطني لقياسها، وبرنامج تجريبي لاختبارها، ونظام متابعة يقيس أثرها الاقتصادي. وبذلك يمكن أن ينتقل النقاش الأردني من سؤال «كم شابًا دربنا على الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر أهمية ودقة: كم شابًا أردنيًا أصبح أكثر جاهزية للتعلم والعمل والإنتاج وريادة الأعمال وخلق القيمة في اقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي؟ وإذا أمكن قياس الإجابة عن هذا السؤال سنويًا، ومقارنتها بالمحافظات والفئات والقطاعات، فإن الذكاء الاصطناعي لن يبقى مجرد استراتيجية وطنية أو تقنية جديدة، بل يمكن أن يتحول إلى أداة عملية لإعادة تشكيل علاقة الشباب الأردني بالعمل والاقتصاد والمستقبل.من 'الذكاء الاصطناعي للجميع' إلى 'شباب أردني جاهز للذكاء الاصطناعي'
الدكتور عبدالله فارس العلاونة
مستشار بريادة الأعمال والتمكين للشباب
من 'الذكاء الاصطناعي للجميع' إلى 'شباب أردني جاهز للذكاء الاصطناعي'
الدكتور عبدالله فارس العلاونة
مستشار بريادة الأعمال والتمكين للشباب
مستشار بريادة الأعمال والتمكين للشباب
مدار الساعة ـ