أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يصبح الانتباه قوة: ماذا أراد سيدنا أن يقول للعالم؟


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

حين يصبح الانتباه قوة: ماذا أراد سيدنا أن يقول للعالم؟

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

في زمنٍ لم تعد فيه المعلومة نادرة، بل أصبح فائضها يرهق الإنسان والدولة والمجتمع، اختار جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يتوقف عند كلمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق في دلالاتها: الانتباه. لم يأتِ الحديث عن الانتباه باعتباره مسألة شخصية مرتبطة بالتركيز أو باستخدام الشاشات، ولم يكن استطرادًا بعيدًا عن السياسة الدولية. على العكس، وضع جلالة الملك المفهوم في قلب المشهد الدولي، حين وصف الانتباه بأنه لم يعد مجرد مورد ذهني، بل أصبح موردًا جيوسياسيًا. وهنا تحديدًا تبدأ أهمية الفكرة. فالعالم اليوم يعيش تحت ضغط متواصل من الأزمات: حروب، نزاعات، كوارث إنسانية، تغير مناخي، اضطرابات اقتصادية، أزمات غذاء وطاقة، وتحديات تتوالد بسرعة تكاد لا تمنح المجتمع الدولي فرصة لالتقاط أنفاسه. كل أزمة تطلب الانتباه. لكن الانتباه الإنساني والسياسي ليس بلا حدود. ومن هنا جاءت ملاحظة جلالة الملك الأساسية: المشكلة ليست فقط في حجم الأزمات التي يواجهها العالم، وإنما في قدرتنا على إبقاء انتباهنا حاضرًا بالقدر الكافي لكي نفعل شيئًا حيالها.

استهل جلالة الملك هذا الجزء من خطابه بالإشارة إلى دراسة تقول إن متوسط مدة الانتباه أمام الشاشة انخفض من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية اليوم، مع تأكيده أن الشاشة ليست العالم، لكنها تقول شيئًا عن عالمنا. ثم انتقل مباشرة إلى الفكرة الأهم: أن الانتباه أصبح موردًا نادرًا، وأن اختيار الجهة التي نوجهه إليها أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكن جلالة الملك لم يتوقف عند الإنسان الفرد, ففي قاعة الأمم المتحدة، يصبح الانتباه مسألة مختلفة. هناك، لا يتعلق الأمر فقط بما يقرأه الإنسان أو يشاهده، وإنما بما يدخل إلى جدول أعمال الدول، وما يبقى على طاولة الدبلوماسية، وما يستمر العالم في متابعته، وما يتراجع تدريجيًا حتى يصبح جزءًا من الخلفية. ولهذا قال جلالته إن الانتباه في هذه القاعة أكثر من مورد معرفي؛ إنه مورد جيوسياسي. فهو يؤثر في أي الصراعات تحصل على دبلوماسية مستمرة، وأيها تتراجع من جدول الأعمال. وهذه واحدة من أكثر أفكار الخطاب عمقًا. فالدبلوماسية لا تتحرك في فراغ، والسياسة الدولية لا تعمل خارج المجال الذي تحدده الأولويات. وما يحظى بالاهتمام السياسي المستمر يحصل، من حيث المبدأ، على فرصة أكبر لكي يبقى حاضرًا في النقاش الدولي. أما ما يفقد الانتباه، فقد يفقد معه جزءًا من الزخم السياسي الضروري لمعالجته.

الأكثر خطورة في فكرة الانتباه ليس أن ننسى حادثة أو خبرًا. الأخطر أن نعتاد على المأساة. وهنا كان حديث جلالة الملك دقيقًا؛ فقد طرح سؤالًا عن مصير المعاناة الإنسانية: هل تبقى أمرًا غير مقبول، أم تتحول مع مرور الوقت إلى أمر مألوف؟ فالخبر الصادم في يومه الأول قد يصبح بعد أشهر عنوانًا عابرًا، وقد تتحول أرقام الضحايا إلى إحصاءات، وقد يصبح النزوح مشهدًا معتادًا، وقد تفقد الصور التي كانت تهز الضمير الإنساني قدرتها على إحداث الصدمة نفسها. لكن تغير مستوى الانتباه لا يعني أن المعاناة تغيرت. الناس الذين يعانون لا يصبحون أقل معاناة لأن العالم أصبح أقل انتباهًا. وهذه، في جوهرها، إحدى أخطر نتائج الاعتياد: أن يتحول الاستثناء إلى مشهد مألوف، وأن يبدأ غير الطبيعي في الظهور وكأنه طبيعي.

و من أكثر العبارات دلالة في هذا الجزء من الخطاب قول جلالة الملك إن التاريخ نادرًا ما يفاجئنا بالكامل، وإنما قد يجدنا أحيانًا مركزين انتباهنا في مكان آخر. هذه الفكرة تستحق التوقف فالأزمات الكبرى لا تبدأ بالضرورة في اللحظة التي نكتشفها فيها. كثير من المشكلات تسبقها مؤشرات وتحذيرات وإشارات متراكمة. وقد أشار جلالة الملك، في هذا السياق، إلى قضايا مثل التفاوت الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي وكوارث المناخ، مؤكدًا أنها لم تظهر بين ليلة وضحاها. المشكلة إذن ليست دائمًا نقص المعرفة. أحيانًا تكون المشكلة أن المعرفة لم تحصل على الانتباه الكافي، أو لم يستمر الانتباه طويلًا بما يكفي ليتحول إلى فعل وهنا يتحول الانتباه من حالة ذهنية إلى مسؤولية سياسية. لكن جلالة الملك لم يكتفِ بالتحذير من تغير الانتباه. بل وضع أمامه مبدأً أكثر ثباتًا. في ختام الخطاب، قال بوضوح إن المبادئ الأردنية لا ينبغي أن تتغير مع تغير اهتمام العالم. وربط ذلك بما يحدث في غزة والسودان وأوكرانيا وفي كل مكان يعيش فيه الناس الحرب والنزوح والخوف. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالسياسة الخارجية، وفق هذا المنطق، لا يمكن أن تكون انعكاسًا لحجم التغطية الإعلامية. القضية لا تصبح أكثر عدلًا لأنها في صدر الأخبار، ولا أقل عدلًا لأنها خرجت من دائرة الضوء. والقانون الدولي لا يفقد معناه عندما يتوقف العالم عن الحديث عنه. والقيم الإنسانية لا ينبغي أن تتبع دورة الأخبار. بمعنى آخر: الانتباه قد يتغير، لكن المبدأ لا ينبغي أن يتغير معه. ثم يوسع جلالة الملك الفكرة أكثر عندما يتحدث عن عالم يتنافس على انتباه الإنسان، ويشير إلى ضرورة أن نكون واعين إلى المكان الذي نوجه إليه انتباهنا، ويقظين تجاه ما يحاول تشتيته. وهذه ليست دعوة إلى تجاهل العالم، بل إلى العكس تمامًا. إنها دعوة إلى عدم السماح لكثرة الأحداث بأن تجعل كل شيء متساويًا في الأهمية.

المستقبل لا يصنعه الفعل وحده ربما تكون الجملة التي اختتم بها جلالة الملك حديثه عن هذه المسألة هي الأكثر اختصارًا للفكرة كلها:«المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضًا بما نختار أن نتجاهله.» في هذه الجملة يضع جلالة الملك مسؤولية مختلفة أمام العالم. فنحن عادةً نحاسب أنفسنا على ما فعلناه. لكن هناك جانبًا آخر من المسؤولية: ما الذي رأيناه ولم نتعامل معه؟ ما الذي عرفناه ولم نتابعه؟ وما الذي كان يستحق انتباهًا مستمرًا، لكننا سمحنا له بأن يغيب؟ وهذا أن السياسة العامة تبدأ من تحديد الأولويات والدبلوماسية و تبدأ من تحديد القضايا التي تستحق الجهد. والضمير الإنساني يبدأ من رفض أن تصبح المعاناة مألوفة. ما يميز طرح جلالة الملك أنه لم يقدم الانتباه بوصفه مشكلة فردية فقط، وإنما ربطه بثلاثة مستويات في آن واحد: الإنسان، والسياسة، والمستقبل. فهل نحن منتبهون وهل نحن نعلم. علينا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نكون منتبهين لما يجري حولنا، واعين لما يستحق اهتمامنا، يقظين تجاه ما يحاول تشتيت هذا الانتباه، ومتمسكين بقضايا أمتنا ومبادئنا، حتى نبقى على قدر العزم والمسؤولية، وعلى مستوى ما يريده منا جلالة سيدنا من وعيٍ وثباتٍ وفعل؛ فالمستقبل لا ينتظر من يكتفي بالمشاهدة، وإنما يصنعه من يرى، وينتبه، ويثبت، ثم يتحرك.

مدار الساعة ـ