لم تعد الخدمات الحكومية صعبة المنال، تستنزف وقتك وجهدك وتحرق أعصابك وسط أزمات مرورية خانقة. الأمر بات أكثر سهولة مما كنا نتخيل، وقادم الأيام والأشهر والسنوات يحمل مفاجآت مذهلة للبشر مع التطور الحاصل في نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأنت جالس في صالون بيتك تفتح تطبيق"سند" على تلفونك، وببضع نقرات على الشاشة، تنجز معاملتك، وتحصل على الخدمة بدقائق معدودة. وكل يوم يشهد" سند" زيادة في عدد الخدمات المقدمة.أما إذا لم تكن من المطبعين مع التكنولوجيا الرقمية، فستتوجه على الفور إلى أحد مراكز الخدمات الحكومية السريعة، التي أصبحت منتشرة في جميع المحافظات، وبلغ عددها حتى الآن 16 مركزا، ومرشحة للزيادة مع نية الحكومة افتتاح المزيد منها.وفق تصريحات لمديرة مديرية مراكز الخدمات الحكومية في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة ديما النهار- كم تندرنا على أسم هذه الوزارة عند ولادتها-بلغ عدد زوار مراكز الخدمات أكثر من 3 ملايين مراجع، وتخطى عدد المعاملات المنجزة 7 ملايين.المراكز تضم نحو 36 مؤسسة حكومية وخدمية تقدم حوالي 200 خدمة. والعمل مستمر لإضافة خدمات جديدة.معدل الرضا العام على الخدمات المقدمة وسرعتها لا يقل عن 97 %. وما من صديق صادف وأن راجع هذه المراكز إلا وسمعته يثني على جودة خدماتها، والأهم سرعتها.خيرة موظفي القطاع العام يعملون في هذه المراكز. والمفارقة أن المعاملة التي كانت تحتاج منك لتوقيع عشيرة من الموظفين، والتنقل بين طوابق الدائرة الحكومية مرات عديدة، صار بالإمكان إنجازها عبر شباك واحد وموظف واحد، وبوقت قياسي لا يزيد عن عدة دقائق، لأغلب الخدمات.مراجعة الدائرة الحكومية لم يعد خيارا لملايين المواطنين، كما هو واضح من الإحصائيات، في ظل توفر خيار رقمي عبر تطبيق سند، أو مراجعة مركز سريع الخدمة، مجرد الدخول إليه يبعث البهجة في النفس.هنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كان بالإمكان توفير الخدمات الحكومية للمواطنين بالوسائل الرقمية الحديثة، وبأقل عدد ممكن من الموظفين، لماذا نهدر الوقت والمال في برامج تحديث إداري مرهقة، لتأهيل عشرات الآلاف من الموظفين، بينما أصبح بمقدور تطبيق إلكتروني على الهاتف أن يحل مكانهم؟هذه ليست دعوة لتسريح موظفي القطاع العام، فالتطور التكنولوجي الحاصل استولى أيضا على مهمات موظفي القطاع الخاص، كالبنوك مثلا، إذ صار باستطاعتك أن تنجز جميع معاملتك مع مصرفك إلكترونيا؛ تفتح الحساب، وتغلقه، وتنقل الأموال لمن تشاء، وتحصل على القرض وتسدده، دون الحاجة للوصول إلى البنك.لكن الخدمة العامة هي موضوعنا. التطور التكنولوجي القادم، سيحتل غالبية الوظائف المكتبية، وستواجه الحكومات في دول العالم كافة، أزمة فائض الموظفين في المستقبل. وعوضا عن إضاعة الوقت في برامج تطوير إداري قائمة على فرضيات تقادمت، ينبغي التفكير ببدائل عملية، يمكن من خلالها إعادة توجيه قدرات العاملين، لقطاعات إنتاجية أخرى، غير تلك التي استحوذت عليها التطبيقات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي.يتطلب الأمر تفكيرا خارج الصندوق، ومقاربات مبتكرة، من الوزارات المعنية. ولسنا هنا بصدد التحريض على وزارة الاقتصاد الرقمي، لكن يجب على الوزارات الأخرى أن تدرك بأن "الاقتصاد الرقمي" استولت على اختصاصاتهم، وستتركهم قريبا بلا عمل.