أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من الديوان إلى الرابع.. الرئيس الذي عرف الرؤية قبل أن تصبح قانونا


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

من الديوان إلى الرابع.. الرئيس الذي عرف الرؤية قبل أن تصبح قانونا

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في السياسة، هناك من يُدار به المشهد، ومن يُدير هو المشهد. الفارق بينهما لا تكشفه لحظات الهدوء، بل لحظة الاختبار: حين تجتمع على طاولة واحدة أزمة موازنة، وتعديل ضمان اجتماعي، وأحزاب وُلدت لتوّها وتبحث عن دور. فبعض القادة يديرون الدولة كما تُدار الأزمات: يومًا بيوم، ملفًا بملف. وبعضهم يديرها كما تُبنى الأوطان: جيلًا بعد جيل، مؤسسة فوق مؤسسة. والسؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة ليس عن كفاءة رئيس الوزراء في إدارة الحكومة، فهذا أمر أثبته، بل عن قدرته على استثمار موقع نادر يشغله: أن يكون الرجل الذي عرف الرؤية قبل أن تصبح قانونًا.

فالرجل لا يدخل إلى مشروع التحديث السياسي بوصفه ملفًا جديدًا تسلّمه مع تشكيل حكومته، بل يأتيه من موقع معرفة سابقة بمساراته وبالبيئة التي تشكلت فيها الرؤية الملكية؛ فقد شغل منصب مدير مكتب جلالة الملك مرتين، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في أيلول 2024. وهذه ميزة تنفيذية لا تتوافر بالضرورة لغيره: أنه كان قريبًا من مطبخ الرؤية قبل أن يصبح مسؤولًا عن تنفيذها. وليس المقصود أنه صاحب المشروع، فالتحديث مشروع دولة أطلقه الملك وتبنته مؤسسات الدولة، لكن موقعه يمنحه اطلاعًا على فلسفة المشروع ومقاصده يفوق من يبدأ التعامل معه بعد صدور القوانين. فمن يعرف النصوص يستطيع تنفيذها، أما من يفهم لماذا وُضعت وإلى أين تريد القيادة أن تصل بها، فيملك فرصة أكبر لتحويلها إلى سياسة عامة حقيقية.

فمشروع التحديث لم يُطرح لتغيير قانون انتخاب أو زيادة عدد الأحزاب، بل لإعادة تشكيل الحياة السياسية على أساس حزبي برامجي، وصولًا إلى برلمانات وحكومات حزبية أكثر نضجًا. وقد أكد كتاب التكليف السامي أن مجلس النواب المنتخب يمثل خطوة أولى في هذا المسار، وأن على الحكومة دورًا في إنضاجه عبر علاقتها بالبرلمان والأحزاب، على أساس التعاون في التشريع والرقابة، والتشاركية والتشاور في القرارات التي تمس حياة المواطنين. وهنا يستطيع الرئيس أن يصنع الفارق.

فالأحزاب لا ينبغي أن تبقى في موقع المتفرج الذي ينتظر القرار ليعلّق عليه. وإذا كان الهدف النهائي حكومات حزبية، فإن الحزب الذي يريد أن يشكل الحكومة يجب أن يتعلم منذ الآن أن يفكر كحكومة، لا أن يتصرف كمعارضة فقط. وهذا يتطلب من رئيس الوزراء أن ينقل العلاقة مع الأحزاب من التواصل إلى التشاركية، ومن الاستماع إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى تحمّل المسؤولية.

والمرحلة المقبلة تمنحه فرصة مثالية لذلك. فالحكومة تُعدّ موازنة 2027 بهدف تقديمها في موعدها الدستوري مع إعطاء الحماية الاجتماعية أولوية واضحة، وعلى جدولها تعديلات الضمان الاجتماعي التي تسعى إلى التوازن بين حقوق المؤمَّن عليهم واستدامة النظام التأميني. وهذه الملفات يمكن أن تمر بالطريقة التقليدية: حكومة تقرر، فيذهب القرار إلى البرلمان، فتبدأ الأحزاب تسجيل مواقفها، وتتحول العملية إلى معركة بين مؤيد ومعارض. لكن ذكاء الرئيس قد يختار طريقًا آخر: أن يضع الأحزاب أمام الأرقام قبل أن يضعها أمام النصوص، وأن يشرح لها حجم الموارد وما تستطيع الدولة أن تنفقه وما لا تستطيع، ثم يطلب من كل حزب أن يقدّم رؤيته وبدائله وتقدير كلفتها، وان يشارك في التنفيذ. عندها لن يكون السؤال: هل تؤيد الحكومة أم تعارضها؟ بل: ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانها؟ وهذه الجملة وحدها قادرة على تغيير الثقافة السياسية. فالحزب الذي يرفض تعديلًا في الضمان عليه أن يشرح كيف يحافظ على استدامة النظام، والذي يعترض على بند في الموازنة عليه أن يقدّم بديله ومصدر تمويله، والذي يطالب بزيادة الإنفاق عليه أن يحدد الأولويات التي يمكن تقليصها. هنا تتحول المعارضة من رد فعل إلى فعل سياسي، ومن موقف إعلامي إلى مسؤولية وطنية.

وهذه هي التشاركية التي يحتاجها التحديث: ليست أن تجلس الأحزاب لتستمع إلى ما ستفعله الحكومة، بل أن تجلس معها لتناقش ما يمكن فعله، وتشارك في التنفيذ، وتتحمل بعدها مسؤولية مواقفها أمام المجتمع. والحكومة نفسها تستفيد من ذلك؛ فالحزب ليس مجرد كتلة تصويتية، بل خزان للأفكار والكوادر، ومختبر للسياسات، ومجال لاختبار البدائل قبل اتخاذ القرار. وكلما شاركت الأحزاب في مناقشة الملفات الكبرى او في تنفيذها، اتسعت مساحة التفكير السياسي بدل أن يبقى إنتاج السياسات محصورًا في الجهاز التنفيذي.

غير أن هذه التشاركية لا تعني أن تتنازل الحكومة عن مسؤوليتها، ولا أن تتحول الأحزاب إلى موالاة. المطلوب علاقة أكثر نضجًا: الحكومة مسؤولة عن القرار، والبرلمان مسؤول عن التشريع والرقابة، والأحزاب مسؤولة عن تقديم البدائل، والمواطن هو من يحاسب الجميع في الانتخابات. وهنا يصبح الاختلاف أكثر قيمة، لأن الحزب لن يُطالَب بأن يقول «نعم» للحكومة ولا «لا» لكل ما تفعله، بل أن يجيب عن السؤال الأصعب: ما البديل؟ او ان يقول لقد كنت شريكاً واتحمل المسؤولية. وهذه هي الثقافة التي تحتاجها الحكومة قبل أن تأتي الحكومات الحزبية نفسها؛ فالحكومة الحزبية لا تُصنع بقرار ولا تبدأ يوم تدخل الأحزاب إلى السلطة، بل تبدأ حين تتعلم الأحزاب كيف تبني البرامج وتناقش الموازنات وتفهم التشريعات وتتحمل كلفة مواقفها. ولهذا فإن المرحلة الحالية قد تكون أهم من لحظة تشكيل أول حكومة حزبية؛ إنها مرحلة تدريب سياسي للدولة والأحزاب معًا: الحكومة تتعلم كيف تشارك الأحزاب، والأحزاب تتعلم كيف تشارك في الحكومة، والمواطن يتعلم كيف يميز بين حزب يملك برنامجًا وحزب يملك خطابًا فقط.

وقد بدأت ملامح هذا النهج تظهر فعلًا، حين فتحت الحكومة حوارًا مع الكتل النيابية الحزبية حول مشروع قانون الإدارة المحلية. لكن المطلوب أن يتحول هذا الاستثناء إلى قاعدة عامة: أن تصبح الموازنة مناسبة لاختبار البرامج الحزبية، والضمان مناسبة لاختبار القدرة على صناعة السياسات الاجتماعية، والتشريعات الاقتصادية مناسبة لاختبار قدرة الأحزاب على التفكير في النمو والدين العام، والإدارة المحلية مناسبة لاختبار قدرتها على التفكير في التنمية من خارج المركز. عندها سيتغير السؤال من «ماذا ستفعل الحكومة؟» إلى «ماذا لو اشتركت الأحزاب فيها، وأي الخيارات أقدر على خدمة الدولة؟». وهذا هو جوهر التحديث السياسي، الذي لن يُقاس بعدد الأحزاب أو مقاعدها، بل بقدرتها على التحول إلى مشروع حكومة. فالحزب الذي لا يستطيع أن يقدم موازنة بديلة أو تصورًا للضمان أو برنامجًا للتعليم والصحة والطاقة، لن يكون جاهزًا لحمل المسؤولية مهما كان حضوره الانتخابي.

ومن هنا، فإن أذكى ما يمكن أن يفعله الرئيس هو أن يمنح الأحزاب فرصة مبكرة لتحمّل جزء من المسؤولية السياسية؛ لا أن يحميها من صعوبة القرار، بل أن يضعها أمامها، لأن الحزب الذي لا يتعلم مسؤولية القرار وهو خارج الحكومة لن يتعلمها فجأة حين يدخلها. وهنا تتجاوز فكرة ذكاء الرئيس معناها الشخصي لتصبح استراتيجية للسلطة: فالرئيس الذكي لا يبني نظامًا يحتاج إلى شخصه فقط، بل نظامًا يعمل بكفاءة معه وبعده. ولا تُقاس قوته بعدد القرارات التي يحتفظ بها لنفسه، بل بقدرته على بناء مؤسسات وقوى سياسية قادرة على المشاركة وتحمل المسؤولية؛ ونجاحه ليس في أن يجعل المعارضة أضعف، بل أكثر استعدادًا للمشاركة في السلطة التنفيذية او قيادتها.

وهذا هو المعنى الأعمق للرؤية الملكية: أن تتطور الحياة السياسية تدريجيًا من أحزاب تشارك في الانتخابات، إلى أحزاب تشارك في القرار، إلى أحزاب تستعد لتشكيل حكومات، ومن برلمان ذي حضور حزبي إلى برلمان قادر على إنتاج الحكومات. عندها فقط يصبح الانتقال إلى الحكومات الحزبية نتيجة طبيعية لنضج التجربة، لا قفزة مفاجئة. فالسؤال الحقيقي أمام رئيس الوزراء ليس: هل يستطيع أن يدير الحكومة؟ فقد أثبت قدرته على ذلك، بل سؤال أكبر: هل يستطيع، وهو الأكثر معرفة بسياق الرؤية الملكية، أن يستخدم سنوات حكومته لصناعة بيئة سياسية تجعل الأردن قادرًا على إنتاج حكوماته من خلال الأحزاب والبرامج والانتخاب؟ وإذا نجح في ذلك، فلن يكون قد أدار مرحلة حكومية فحسب، بل سيكون قد ساهم في تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها؛ وعندها يكون أعظم ما فعله أنه لم يجعل الحكومة أكثر اعتمادًا على شخص بعينه، بل أكثر قدرة على إنتاج قياداتها من داخل مؤسساتها الحزبية.

فالفرق بين التنفيذ الإداري والتنفيذ السياسي هائل: الأول يعني إنجاز البنود، والثاني يعني تغيير السلوك السياسي نفسه؛ أن يصبح الحزب أكثر مسؤولية، والنائب أكثر استقلالًا، والحكومة أكثر تشاركية، والبرلمان أكثر قدرة على الرقابة، والمواطن أكثر قدرة على التمييز بين البرنامج والشعار. وهنا يمكن أن يكون ذكاء الرئيس هو الجسر بين الرؤية الملكية ومستقبل الدولة؛ فالمشروع الكبير لا يكتمل عند إطلاقه، بل يكتمل حين تصبح مؤسسات الدولة والمجتمع قادرة على حمله إلى المستقبل.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ