من اختيار الكفاءة إلى وضوح الصلاحيات... نحو إدارة بلدية أكثر قدرة على الإنجاز
مع التوجه نحو تطوير منظومة الإدارة المحلية في الأردن ، يبرز منصب المدير التنفيذي للبلدية باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لنجاح أي إصلاح مرتقب . فالمطلوب ليس مجرد استحداث منصب إداري جديد أو ملء شاغر وظيفي ، و إنما بناء جهاز تنفيذي قادر على إدارة البلدية بكفاءة ، و تحمل المسؤولية ، و تحويل الخطط و القرارات إلى واقع عملي يلمسه المواطن . فالمدير التنفيذي ، بحكم طبيعة موقعه ، يجب أن يكون رأس الجهاز الإداري و التنفيذي ، و مرجعاً واضحاً لدوائر البلدية ، و حلقة وصل عملية بين قرارات المجلس البلدي و متطلبات التنفيذ اليومي .و لذلك يجب أن تتناسب مسؤوليته مع صلاحياته الفعلية ، حتى لا تصبح المسؤولية موزعة بين أكثر من جهة ، بينما تبقى المحاسبة مركزة على شخص واحد . و هنا تبدأ فكرة الإصلاح الحقيقي : تحديد من يقرر ، و من ينفذ ، و من يراقب ، و من يحاسب_________________________الهندسة المدنية و الخبرة ... أساس الاختيار_________________________ و من هنا ، فإن اختيار المدير التنفيذي يجب أن ينطلق من طبيعة العمل البلدي و متطلباته الفعلية ؛ و لذلك يستحق أن يكون من أهم شروط شغل المنصب أن يكون المرشح حاصلاً على بكالوريوس في الهندسة المدنية حصراً ، و بخبرة عملية لا تقل عن عشر سنوات ، على أن تكون خبرة حقيقية و مرتبطة بإدارة المشاريع و الأعمال الهندسية و البنية التحتية و العطاءات والعقود و المقاولين و الاستشاريين و فرق العمل . فالبلدية ليست مؤسسة إدارية مكتبية فقط ؛ فهي مؤسسة تتعامل يومياً مع الطرق ، و التنظيم ، و الأبنية ، و البنية التحتية ، و المشاريع ، و العطاءات ، والمرافق و الخدمات ، و المخططات ، و المقاولين و الاستشاريين ، إلى جانب الملفات المالية و الإدارية و القانونية . و لا تكفي سنوات الخبرة وحدها ؛ بل ينبغي أن يمتلك المرشح دورات و تأهيلاً متخصصاً في العمل الهندسي و الإداري تشمل إدارة المشاريع ، و العقود و العطاءات ، و التخطيط ، و إدارة المخاطر، والجودة ، و السلامة و الصحة المهنية ، و الإدارة المالية ، و الموارد البشرية ، و القيادة و الحوكمة . فالبلدية تحتاج إلى مهندس بعقلية إدارية ؛ يفهم القرار الفني و التنفيذي ، و يستطيع في الوقت نفسه قيادة المؤسسة ، و ضبط أداء كوادرها، ومتابعة مشاريعها، وتحمل مسؤولية نتائجها. _________________________تجديد الدماء وفتح باب المنافسة_________________________ و من المهم أن تكون المنافسة مفتوحة أمام الكفاءات القادرة على القيام بهذه المسؤولية ، و ألا يتحول المنصب تلقائياً إلى امتداد للمسار الوظيفي السابق . و من هنا يمكن أن تكون من شروط الاختيار المقترحة ألا يكون المرشح من المتقاعدين المدنيين أو العسكريين ، أو من العاملين في البلديات ، مع التأكيد أن هذا الطرح لا ينتقص من خبرات هذه الفئات أو عطائها ، و إنما يستهدف فتح المجال أمام خبرات هندسية وإدارية جديدة من مختلف القطاعات ، بما فيها المؤسسات الحكومية ، و الشركات الهندسية و الاستشارية ، و شركات المقاولات ، و المشاريع التنموية . فالأساس يجب أن يكون الكفاءة و الخبرة المرتبطة بالمنصب ، لا الجهة التي عمل فيها المرشح سابقاً .كما أن فتح المنافسة على مستوى أوسع يمكن أن يخلق قاعدة أكبر من الكفاءات ، و يجعل الوصول إلى المنصب قائماً على متطلبات واضحة بدلاً من أن يكون مجرد انتقال طبيعي في السلم الوظيفي . _________________________آلية اختيار مؤسسية وسريعة_________________________ أما آلية التعيين ، فيمكن أن تبدأ بإعلان الشاغر وفق شروط واضحة ودقيقة ، و استقبال الطلبات و فرزها والتدقيق في مطابقتها من خلال هيئة الخدمة و الإدارة العامة ، بما ينسجم مع منظومة الاستقطاب و التعيين القائمة على الإعلان و الفرز و تقييم الكفايات و المقابلات و استكمال إجراءات التعيين . و بعد التدقيق ، تُحصر القائمة بأفضل ستة مرشحين ممن تنطبق عليهم الشروط و الأكثر توافقاً مع متطلبات الوظيفة ، ثم تتم مقابلتهم من قبل اللجنة المختصة في أسرع وقت ، وصولاً إلى اختيار المرشح المناسب و تعيينه من المرجع صاحب الصلاحية وفق التشريعات النافذة . و هكذا تصبح العملية واضحة و مختصرة :شروط معلنة - فرز و تدقيق - ستة مرشحين - مقابلات مهنية – تعيين و الأهم ألا تتحول عملية الاختيار إلى مسار طويل يفقد المنصب أهميته أو يؤخر الإصلاح المطلوب ، بل يتم استكمال التعيين قبل انتهاء مدة المجلس البلدي القادم ، حتى تبدأ المرحلة الجديدة بوجود جهاز تنفيذي مستقر و قادر على العمل . فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى اختيار الشخص المناسب ، بل تحتاج أيضاً إلى الوصول إليه في الوقت المناسب . _________________________منصب إداري يحتاج إلى مؤشرات أداء_________________________ وإذا كان الهدف هو الانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة أكثر كفاءة ، فلا بد أن يرتبط منصب المدير التنفيذي أيضاً بمؤشرات أداء واضحة . فالمدير التنفيذي لا ينبغي أن يقاس نجاحه بعدد الاجتماعات التي عقدها أو الكتب التي وقعها ، و إنما بقدرة الجهاز التنفيذي على إنجاز الأعمال ، و تحسين الخدمات ، و ضبط المشاريع ، و رفع كفاءة الإنفاق ، و تسريع الإجراءات ، و معالجة الملاحظات ، وتحسين مستوى الاستجابة للمواطنين .وبذلك تصبح المحاسبة مرتبطة بالنتائج، لا بالانطباعات . فالمعادلة التي نحتاجها بسيطة :صلاحية واضحة ، و مسؤولية واضحة ، و مؤشرات أداء واضحة ، و محاسبة على النتائج و هذا من شأنه أيضاً أن يحمي المدير التنفيذي نفسه ؛ لأن تقييمه يصبح قائماً على معايير معلنة ، وليس على اختلافات شخصية أو تقديرات غير محددة . _________________________قانون جديد يحتاج إلى أنظمة جديدة_________________________ لكن اختيار المدير التنفيذي ، مهما كان جيداً ، لن يكون كافياً إذا بقيت الأنظمة و التعليمات المرتبطة بالإدارة المحلية تعمل بالعقلية ذاتها . وهنا تكمن نقطة جوهرية يجب أن يلتفت إليها صانع القرار :لا يمكن أن ينجح قانون الإدارة المحلية الجديد بمعزل عن تعديل باقي الأنظمة و التشريعات المرتبطة به . فإذا كان القانون يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المجلس و الجهاز التنفيذي ، فلا بد أن تنسجم معه أنظمة الموظفين ، و المكافآت و الحوافز ، و اللجان، و الإدارة المالية ، و العطاءات و المشتريات وغيرها . فلا يمكن أن نطلب من مؤسسة أن تعمل بطريقة جديدة ، بينما تبقى الأدوات التي تحكم عملها مصممة لمنظومة قديمة .وإلا سنكون أمام قانون جديد يعمل داخل منظومة تشريعية قديمة ، فتستمر المشكلة نفسها بأشكال مختلفة . _________________________صلاحيات حقيقية... لا مسؤولية بلا أدوات_________________________ و من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مراجعة جادة لجان الموظفين و لجان المكافآت و الحوافز و غيرها من اللجان المرتبطة بالإدارة اليومية . المطلوب ليس إلغاء الرقابة أو إضعاف اللجان ، و إنما منع تحولها إلى مراكز قرار موازية للجهاز التنفيذي .فلا يعقل أن يكون المدير التنفيذي مسؤولاً عن الجهاز الإداري و التنفيذي ، ثم تكون قدرته في بعض الملفات مجرد صوت مقابل أصوات أخرى قد تعارض قراره أو تعطل توجهه ، بما يخلق قوة شد عكسية داخل الجهاز نفسه . الرقابة مطلوبة ، و الحوكمة مطلوبة ، و التدقيق مطلوب ، لكن يجب أن تكون سلسلة القرار واضحة ، و أن يعرف كل طرف حدود اختصاصه .فاللجان يجب أن تدعم القرار المؤسسي وتحمي المال العام و تضمن النزاهة و الشفافية ، لا أن تصبح بديلاً عن الإدارة التنفيذية . والقاعدة الإدارية البسيطة هنا :لا مساءلة حقيقية بلا صلاحية حقيقية . إذا كان المدير التنفيذي سيحاسب على أداء الجهاز التنفيذي ، فيجب أن يمتلك الصلاحيات التي تمكنه من إدارته ، ضمن القانون و الرقابة و التدقيق . _________________________المجلس و الجهاز التنفيذي... تكامل لا تضارب_________________________ إن نجاح النموذج المقترح لا يعني تقليص دور المجلس البلدي ، بل على العكس ؛ فالمجلس المنتخب يجب أن يبقى صاحب الدور السياسي و المحلي في رسم الأولويات و اتخاذ القرارات ضمن اختصاصاته و ممارسة الرقابة . لكن في المقابل ، يجب أن يكون الجهاز التنفيذي قادراً على تحويل تلك القرارات إلى برامج وأعمال و مشاريع . و هنا يجب أن تكون العلاقة قائمة على التكامل لا التداخل . المجلس يضع السياسات و الأولويات و يمارس الرقابة ، و المدير التنفيذي يقود الجهاز الإداري و ينفذ ضمن الصلاحيات الممنوحة له ، و الوزارة تمارس دورها التنظيمي و الرقابي ، و الأجهزة الرقابية تقوم باختصاصاتها . و عندما تكون هذه الأدوار واضحة ، يصبح الاختلاف في الرأي جزءاً طبيعياً من العمل المؤسسي ، و ليس سبباً لتعطيل القرار . _________________________منصب قوي ضمن منظومة متكاملة_________________________ المطلوب في النهاية ليس مديراً تنفيذياً قوياً بلا رقابة ، كما أنه ليس مديراً مسؤولاً بلا صلاحيات . المطلوب هو :مدير تنفيذي كفؤ ، و صلاحيات واضحة ، و رقابة فاعلة ، و مسؤولية قابلة للمساءلة . فالإصلاح الإداري لا يقوم على إطلاق يد شخص واحد ، كما لا يقوم على تقييد المسؤول حتى يصبح غير قادر على اتخاذ القرار . المعادلة الصحيحة هي أن تكون هناك صلاحيات كافية لاتخاذ القرار ، و ضوابط كافية لمنع إساءة استخدامها ، و مؤشرات واضحة لقياس النتائج .و عندما تتوازن هذه العناصر، يصبح بالإمكان محاسبة المسؤول على ما يقع ضمن اختصاصه فعلاً ، و في الوقت نفسه حماية المال العام والمؤسسة من القرارات غير المنضبطة . _________________________طوق نجاة للبلديات_________________________ البلديات اليوم لا تحتاج إلى تغيير المسميات فقط ، بل إلى وضوح في المسؤولية ، و وضوح في الصلاحية ، و وضوح في سلسلة القرار . و إذا اكتملت الحلقة من اختيار مدير تنفيذي مهندس مدني مؤهل ، بخبرة لا تقل عن عشر سنوات و تأهيل هندسي و إداري متخصص ، إلى آلية اختيار مؤسسية و شفافة و سريعة ، ثم إلى تعديل الأنظمة المرتبطة بالقانون و منح الجهاز التنفيذي صلاحيات فعلية ، فإن قانون الإدارة المحلية يمكن أن يتحول من نص تشريعي إلى إصلاح مؤسسي حقيقي وطوق نجاة للبلديات . فالبلدية التي تعرف من يقرر ، و من ينفذ ، و من يراقب ، و من يحاسب ، تكون أقرب إلى الإنجاز من بلدية تتوزع فيها الصلاحيات و تتداخل فيها الأدوار . و الإصلاح لا يصنعه القانون وحده ، و لا يصنعه المدير التنفيذي وحده . الإصلاح يبدأ عندما تتطابق المسؤولية مع الصلاحية ، و تتكامل التشريعات ، و يصبح القرار واضحاً ، و يكون لكل مسؤول أدوات حقيقية للقيام بواجبه و محاسبته على نتائجه .و عندها فقط يمكن أن ننتقل من إدارة البلدية إلى قيادة البلدية نحو مرحلة جديدة من الكفاءة و الإنجاز ؛ مرحلة يكون فيها المواطن هو المستفيد الأول من وضوح القرار ، و سرعة الإنجاز ، و حسن إدارة المال العام ، و استقرار العمل المؤسسي .المدير التنفيذي ليس منصباً.. بل مفتاح الإصلاح
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
المدير التنفيذي ليس منصباً.. بل مفتاح الإصلاح
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ