تُعدّ الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، وصلاحها ينعكس مباشرة على استقرار البناء الاجتماعي ككل. وفي حالات النزاع الأسري والطلاق، غالباً ما تتركز الأنظار حول حقوق الأبوين، في حين تُغفل أحياناً حقوق فئة لا تقل أهمية في التنشئة النفسية والعاطفية للصغار، وهم الأجداد والجدات. ومن هذا المنطلق، حرص المشرّع الأردني في قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 15 لسنة 2019 على القواعد الشرعية والقانونية التي تضمن استمرار صلة الرحم وحماية الأطفال من آثار التفكك الأسري.
أولاً: التأصيل الشرعي وحق الأجداد في تنظيم المشاهدة يقوم حق الأجداد والجدات في رؤية أحفادهم على أصل شرعي متين مستمد من الشريعة الإسلامية التي توجب صلة الرحم وتنهى عن قطيعتها. ونظمت المادة (181) من قانون الأحوال الشخصية هذا الحق، وفرّقت بين حالتين:الجد لأب عند غياب الأب: مَنحته المادة (181/أ) ذات الحقوق المقررة للأبوين من (رؤية، استزارة، اصطحاب، ومبيت بمعدل مرة في الأسبوع) في حال وفاة الأب أو غيابه أو فقدانه للأهلية.الأجداد والجدات عموماً: أقرّت لهم المادة ذاتها حقاً مستقلاً بطلب رؤية المحضون لمرة واحدة في الشهر على الأقل داخل المملكة كضمانة لعدم قطع أواصر القربى.ثانياً: الإجراءات العملية لرفع دعوى المشاهدة أمام المحاكم الشرعية في حال تعنت الحاضن ورفضه المشاهدة ودياً، وضع قانون أصول المحاكمات الشرعية الأردني طريقاً لحل هذه المشكلة من خلال اتباع ما يلي : أولاً :صياغة لائحة الدعوى: يقوم الأجداد (أو وكيلهم من المحامين) بإعداد لائحة دعوى تسمى (دعوى رؤية واستزارة صغار) تُوجّه ضد الحاضن ( و تكون الأم عادةً أو الأب في حال كان هو الحاضن). و المرحلة الإلزامية تكون من خلال (مكاتب الإصلاح والوساطة الأسرية): قبل البدء بالخصومة القضائية، تُحال الدعوى وجوباً إلى مكاتب الإصلاح الأسري التابعة للمحكمة؛ حيث يحاول الاختصاصيون صياغة اتفاق ودي مرن ينظم المواعيد والمكان بما يضمن راحة الطفل والأجداد، وإذا تم الاتفاق يُصادق عليه القاضي ويكون له قوة الحكم القضائي.اما في حال فشل الصلح، تعود القضية للقاضي الشرعي، ليصدر حكمه الفاصل بتحديد مواعيد وساعات الرؤية بدقة.ثالثاً: معايير التطبيق القضائي وضابط "المصلحة الفضلى"أكدت اجتهادات المحكمة العليا الشرعية الأردنية أن الركيزة الأساسية في تنظيم هذا الحق ليست انتصاراً لخصم على آخر، بل هي ان المصلحة الفضلى تكون للاطفال. ويظهر التوجه القضائي الواقعي في معيارين أساسيين: اولاً مكان الرؤية وثانياً البيئة الآمنة اذ يرفض القضاء الأردني تنفيذ المشاهدة في أماكن تسبب حرجاً أو ضغطاً نفسياً. لذا، يُلزم القضاء بأن تتم الرؤية في مراكز الرؤية والاصطحاب الآمنة التابعة لـ دائرة قاضي القضاة أو الجمعيات المرخصة، والتي توفر بيئة ترفيهية ونفسية ملائمة للطفل.مراعاة ظروف الأطفال اعمارهم حيث يراعي القضاة سن الصغير؛ فالرضيع لا تُقضى مشهادته إلا بوجود حاضنته وفي أماكن مغلقة وآمنة، و تتسع الأحكام من حيث عدد ساعات المشاهده واماكنها بتقدم سن الطفل لتشمل الحدائق العامة ومراكز الألعاب.رابعاً: تطبيقات واقعية واجتهادات المحكمة العليا الشرعية من خلال قرارات تؤسس لمرونة الأحكام وقابليتها للتغير وفقاً لظروف الطفل؛ ومن أبرز القواعد المستقرة واقعياً وقضائياً:قاعدة "تغيّر الأحكام بتغيّر الظروف": بمعنى ان أحكام المحاكم الشرعية واتفاقات المشاهدة والاستزارة ليست أحكاماً قطعية بل أنها قابلة للتعديل . فإذا صدر حكم للأجداد برؤية الطفل في مركز مغلق عندما كان رضيعاً، يحق لهم بعد سنوات رفع (دعوى تعديل موعد ومكان الرؤية) لطلب اصطحابه للخارج نظراً لتغير سنه ودراسته واستيعابه.حالة "التعنت والمنع الكيدي": في قضية واقعية نظرتها المحاكم، ثبت تعمد الأم (الحاضنة) على تغييب أطفالها عن موعد المشاهدة الشهري المخصص لأجدادهم (لأبيهم المتوفى) متذرعة بأعذار واهية كالسفر العارض أو المرض دون تقارير طبية. استناداً للقانون، وجّه قاضي التنفيذ إنذاراً شديداً للأم، مؤكداً أن الاستمرار في حرمان الأصول من رؤية فروعهم يُعدّ سلوكاً مضراً بملائمتها للحضانة، مما يعرضها لرفع دعوى إسقاط حضانة مؤقتة من قِبل الولي لعدم أمانتها على تنشئة الطفل النفسية وصيانة رحمه.خامساً: الآثار القانونية للامتناع عن التنفيذ عند صدور الحكم، يتم إيداعه لدى دائرة تنفيذ الأحكام الشرعية. وفي حال امتناع الحاضن عن إحضار الأطفال، يتخذ القضاء تدابير متدرجة: تبداء من توجيه إخطار تنفيذي للحاضن بضرورة الالتزام بالمواعيد. و بعدها تفرض غرامات مالية عن كل موعد يتم التخلف به. و ان المنع المتكرر والمقصود دليلاً على الإضرار بالمحضون، مما يمنح الطرف المتضرر الحق في طلب نقل الحضانة مؤقتاً لضمان رعاية مصلحة الطفل الفضلى وصون صلة أرحامه، ولأن القانون لا ينظر للأحفاد باعتبارهم أداة ضغط في النزاعات الأسرية، بل كأفراد مستقلين لهم الحق الكامل في التمتع برعاية ممتدة من بيئتهم الأسرية كاملة لجعلهم عناصر صالحة ومتزنة في المجتمع .حق مشاهدة الأجداد والجدات للأحفاد وفقاً لقانون الأحوال الشخصية الأردني
الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات
حق مشاهدة الأجداد والجدات للأحفاد وفقاً لقانون الأحوال الشخصية الأردني
مدار الساعة ـ