أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المياه والسيادة: لماذا يبدأ أمن الأردن من جنوب سورية؟


أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

المياه والسيادة: لماذا يبدأ أمن الأردن من جنوب سورية؟

أ.د. حسن الدعجة
أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لم تعد حماية الأمن الوطني الأردني تُقاس فقط بقدرة الدولة على ضبط حدودها ومنع اختراقها؛ فالمياه التي تصل إلى المنازل، والغذاء الذي تنتجه الأرض، واستقرار المجتمعات الزراعية، جميعها مكونات أساسية في معادلة السيادة. ومن هذه الزاوية، يكتسب جنوب سورية أهمية تتجاوز الجوار الجغرافي، لأن التحولات فيه قد تمتد إلى الموارد والمصالح الأردنية. وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني عن هذه الحقيقة بوضوح في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، محذرًا من استمرار النهج الإسرائيلي في جنوب سورية، ومؤكدًا أن أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي.

ويؤسس هذا التحذير الملكي لرؤية إستراتيجية تربط حماية الحدود بصون الموارد وضمان استمرارية الحياة والإنتاج، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه مخاطر التصعيد. ولذلك، فإن السؤال اليوم هو: كيف يترجم الأردن هذا الموقف السيادي إلى سياسات وقائية ومشاريع وطنية وشراكات إقليمية تحمي أمنه المائي، وتعزز استقلال قراره، وتمنع تحول احتياجات مواطنيه الأساسية إلى أدوات ضغط تفرضها الاضطرابات أو موازين القوة الإقليمية؟

تتصاعد أهمية هذا السؤال مع المخاوف المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية في جنوب سورية وانعكاساتها على أمن الأردن وحدوده ومصالحه المائية. وقد أبرزت التغطيات الأخيرة ارتباط هذه التطورات بحسابات الأمن القومي الأردني. لكن التقدير الإستراتيجي المسؤول يقتضي التمييز بين المخاطر المحتملة والوقائع المثبتة؛ فلا يصح اعتبار كل تحرك عسكري دليلًا على تغيير تدفقات المياه، بينما تستوجب احتمالات التأثير في الموارد المشتركة مراقبة مبكرة واستعدادًا سياسيًا وفنيًا.

تكمن المشكلة في تداخل هشاشة الموارد الداخلية مع عدم اليقين الخارجي. فالأردن يواجه شحًا مائيًا مزمنًا وضغوطًا سكانية ومناخية، إلى جانب تحديات الشبكات واستدامة المياه الجوفية. وقد أشارت وزارة المياه والري، عند إطلاق إستراتيجيتها للأعوام 2023–2040، إلى انخفاض حصة الفرد إلى أقل من 61 مترًا مكعبًا سنويًا. ويكشف هذا المؤشر ضيق هامش المناورة أمام الدولة عندما تتراجع الموارد أو تتعطل الإمدادات، ويجعل الوقاية من الأزمات أقل كلفة بكثير من إدارة تداعياتها.

وتزداد حساسية هذه المعادلة في حوض اليرموك، حيث تتصل مصالح البلدين بالمياه المشتركة وإدارتها. وأي اضطراب في تشغيل المنشآت أو تبادل المعلومات أو التنسيق الفني يمكن أن يضاعف صعوبة التخطيط. كما أن تحوّل السيطرة على الموارد إلى وسيلة نفوذ سياسي، إن حدث، سيضيف إلى الندرة الطبيعية ضغطًا إستراتيجيًا. ولهذا، فإن استقرار سورية ووحدة أراضيها وقدرة مؤسساتها على إدارة مواردها تمثل مصلحة أردنية مباشرة، وتوفر أساسًا أكثر استدامة للتعاون وحماية الحقوق المتبادلة.

ولا تتوقف آثار نقص المياه عند جداول التوزيع؛ إذ يمكن أن ترتفع نفقات الأسر على شراء المياه، وتتراجع قدرة المزارعين على الإنتاج، وتتضرر فرص العمل في المناطق الريفية. وقد تنتقل بعض هذه الضغوط إلى أسعار الغذاء، بحسب المحاصيل وتوافر البدائل. وتتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر، لأنها أقل قدرة على تمويل التخزين أو شراء الإمدادات الإضافية. وبذلك تصبح عدالة التزويد جزءًا من الاستقرار الاجتماعي، ويغدو الأمن المائي قضية معيشية يشعر بها المواطن يوميًا.

تبدأ الاستجابة العملية بتعزيز التنسيق الأردني السوري عبر آلية دائمة تجمع المختصين بالمياه والدبلوماسية والحدود، وتعمل ضمن الأطر الثنائية القائمة. وتتمثل أولوياتها في تبادل بيانات التدفقات والتخزين بصورة منتظمة، وتركيب أدوات قياس متفق عليها، ووضع بروتوكول للإبلاغ المبكر عن الأعطال والتلوث والتغيرات غير المعتادة. وينبغي أن تنتج هذه الآلية خططًا مشتركة للجفاف والطوارئ، بحيث تستند المطالب والمواقف إلى معلومات موثقة، وتُعالج الخلافات الفنية قبل اتساع آثارها السياسية.

وبالتوازي، تحتاج المملكة إلى دبلوماسية وقائية تجعل حماية الموارد والمنشآت المائية جزءًا واضحًا من اتصالاتها العربية والدولية. ويمكن توظيف الحضور الدبلوماسي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني لحشد الدعم لاستقرار الجنوب السوري، وتمويل مراقبة الموارد وتأهيل البنية المائية. وتزداد فاعلية هذا التحرك عندما يقدم الأردن ملفات محددة توضح المخاطر والإجراءات المطلوبة، ويربط دعم المياه بالاستقرار الإقليمي، مع التمسك بسيادة سورية وحماية المصالح الأردنية.

أما داخليًا، فيأتي مشروع الناقل الوطني في مقدمة أدوات تعزيز القدرة المائية، بطاقة مستهدفة تبلغ 300 مليون متر مكعب سنويًا من تحلية مياه البحر. وتقتضي أهميته متابعة التنفيذ بمؤشرات معلنة، وضبط الكلفة، وتأمين الطاقة والتشغيل والصيانة. كما ينبغي حماية مرافقه وخطوطه، وتوفير خطط لاستمرارية الخدمة عند الأعطال؛ فزيادة الإنتاج تحقق أثرها الكامل عندما ترافقها قدرة موثوقة على النقل والتوزيع والاستجابة للطوارئ.

وبالتوازي مع المشروع، تقتضي المصلحة الوطنية بناء منظومة مائية قادرة على تحمل الصدمات، تقوم على تنويع المصادر، وتطوير التخزين الإستراتيجي، وربط شبكات المحافظات لتبادل الإمدادات عند الطوارئ. وينبغي التعامل مع خفض الفاقد بوصفه استثمارًا في مورد إضافي، عبر عقود ترتبط بكميات المياه المستعادة فعليًا. كما تستدعي حماية المنظومة تأمين الطاقة البديلة للمرافق الحيوية، وتعزيز الحماية المادية والسيبرانية، وإعداد خطط لاستمرار التزويد عند تعطل أي مصدر رئيسي.

ويكتمل المسار بتبني إستراتيجية تجعل تقليص قابلية الأردن للضغط المائي هدفًا من أهداف الأمن القومي، عبر زيادة الموارد الخاضعة لقراره الوطني، وتجنب الاعتماد الحاسم على مصدر خارجي واحد. وعلى المستوى الإقليمي، تقتضي هذه الرؤية بناء شراكة إستراتيجية مع سورية لحماية حوض اليرموك، وإدراج ضمان المصالح المائية الأردنية ضمن أي ترتيبات تخص الجنوب السوري، والسعي إلى ضمانات دولية وآليات مراقبة تحول دون فرض وقائع تضر بهذه المصالح. كما ينبغي توظيف شراكات المملكة العربية والدولية لتمويل استقلالها المائي، وربط استقرار المنطقة بحماية الموارد المشتركة. وتتمثل الغاية في امتلاك بدائل تمنح الأردن القدرة على رفض الضغوط دون تعريض احتياجات مواطنيه للخطر؛ فكلما تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في موارده الحيوية، اتسعت حرية حركته السياسية، وتعززت قدرته على حماية سيادته وتحويل التحذير الملكي إلى سياسة استباقية مستدامة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ