أدخلت إشكالية المصطلح النقدي الأدب العربي الحديث في متاهة من المفاهيم والمصطلحات المتداخلة، حتى أصبح الناقد والباحث في كثير من الأحيان أمام سيل من المصطلحات التي تتعدد دلالاتها وتختلف باختلاف المدارس والاتجاهات النقدية. ويزداد الأمر تعقيدًا حين نقف عند الفروق بين المصطلحات المتداولة لدى المشارقة وتلك التي شاعت لدى المغاربة، فنجد المصطلح الواحد يؤدي أكثر من معنى، أو نجد أكثر من مصطلح يحيل إلى مفهوم واحد، الأمر الذي يجعل ضبط المصطلح ضرورة تسبق أحيانًا الدخول في مناقشة المفهوم نفسه.
وتزداد الإشكالية حدة حين يتعلق الأمر بالأدب الجديد الذي فرضته التكنولوجيا، إذ نجد أنفسنا أمام ظواهر أدبية لم تكن مألوفة في الأدب الورقي، ونحتاج إلى لغة نقدية قادرة على استيعابها وتسميتها وتحديد خصائصها.ولعل مصطلحي "القارئ" و"المتلقي" من الأمثلة الدالة على هذه الإشكالية. فالقارئ، في الاستخدام النقدي التقليدي، هو الذي يقرأ النص ويتعامل معه من خارج بنيته، بينما يكتسب "المتلقي" دلالة أوسع، إذ لا يكون مجرد قارئ للنص، وإنما طرفًا في عملية التفاعل معه وتأويله وإنتاج دلالاته. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا حين ننتقل من النص الورقي إلى النص الإلكتروني أو الرقمي: ماذا نسمي من يتعامل مع هذا النوع الجديد من الكتابة؟قد نقول: القارئ الرقمي، أو المتلقي الرقمي، وهي تسميات تبدو مباشرة ومفهومة، لكنني اقترحت في وقت سابق اشتقاق مصطلح جديد من "المتلقي الرقمي"، وهو "المُترقِّم"؛ للدلالة على الشخص الذي يتعامل مع النص الرقمي أو الكتابة الرقمية، باعتبار أن طبيعة العلاقة بينه وبين النص تختلف في بعض جوانبها عن علاقته بالنص الورقي.وقد يبدو المصطلح غريبًا في بدايته، شأن كثير من المصطلحات حين تولد، لكن المصطلح لا تكتسب شرعيته من غرابته أو شيوعه السريع، وإنما من قدرته على التعبير الدقيق عن مفهوم جديد، ومن قابليته للتداول والاستعمال داخل الدرس النقدي.غير أن مشكلة المصطلح ليست سوى جانب واحد من الإشكالية؛ فظهور الأدب الرقمي نفسه أحدث ارتباكًا أكبر في المشهد الأدبي والنقدي.لقد ظهرت الرواية الرقمية بوصفها جنسًا أدبيًا جديدًا، وما زلنا حتى اليوم أمام مواقف مختلفة منها؛ فهناك من يتقبلها ويرى فيها امتدادًا طبيعيًا لتحولات الكتابة، وهناك من يتعامل معها بحذر، بل يرفض أن يمنحها المكانة نفسها التي تحتلها الرواية الورقية.وهذا الاختلاف مفهوم؛ فالأجناس الأدبية لم تكن في يوم من الأيام كيانات جامدة، وإنما تتغير بتغير وسائل التعبير ووسائطه. والرواية نفسها لم تكن على الصورة التي نعرفها اليوم عندما ظهرت، وإنما مرت بتحولات طويلة حتى استقرت في أشكال متعددة. ومن ثم فإن ظهور الرواية الرقمية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خروجًا على الأدب، وإنما باعتباره سؤالًا جديدًا تطرحه التكنولوجيا على الكتابة.لكن المشكلة الحقيقية أن هذا المجال دخل سريعًا في فوضى النشر الإلكتروني، إذ فتحت المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية أبوابها أمام أعداد كبيرة من الكتاب، من دون وجود معايير واضحة دائمًا للفرز أو التقييم. فأصبح كل ما يُكتب قابلًا للنشر والوصول إلى الجمهور، بصرف النظر عن مستواه الأدبي أو قيمته الفنية.وقد ظهرت مواقع ومنصات وأندية إلكترونية تقدم نصوصًا مختلفة للمُترقِّم، بعضها يقوم على القيمة الأدبية، وبعضها يبحث عن الإثارة واستثارة الغرائز والفضول، لأن ما يجذب القارئ في البيئة الرقمية ليس بالضرورة ما يمتلك القيمة الأدبية الأعلى.وهنا تبدأ المشكلة.فحين تختلط الكتابة الجادة بالكتابة السطحية، والنص الأدبي بالمحتوى العابر، ويصبح معيار الانتشار هو عدد المشاهدات أو الإعجابات، فإننا نكون أمام منظومة جديدة من القيم لا تتطابق بالضرورة مع المعايير الأدبية والنقدية المعروفة.ولذلك انقسم الكتّاب أنفسهم إزاء النشر الإلكتروني؛ فهناك من يرى فيه فرصة ذهبية للوصول إلى جمهور واسع، وتجاوز قيود النشر الورقي، وهناك من يتحفظ عليه، ويرى أن سهولة النشر لا تعني بالضرورة جودة المنشور.ومن الظواهر اللافتة التي أفرزتها البيئة الرقمية أيضًا الكتابة الروائية المشتركة، حيث يبدأ أحد الكتاب نصًا روائيًا، ثم يتولى كاتب آخر إكماله، ويتبعه ثالث ورابع، بحيث تصبح الرواية نتاجًا جماعيًا لا ينتمي إلى مؤلف واحد.وهنا تبرز أسئلة أدبية ونقدية جديدة: لمن تنسب الرواية؟ ومن يتحمل مسؤولية بنائها؟ وهل يمكن أن تتوحد رؤى كتّاب متعددين داخل عمل سردي واحد؟ وهل يظل مفهوم "المؤلف" بالمعنى التقليدي صالحًا في مثل هذه التجربة؟إنها أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الصورة في عصر الكتابة الورقية، لكنها أصبحت جزءًا من واقع الأدب الرقمي.ومع كل هذه التحولات، لا يزال النقاد يتعاملون مع الكتابة الإلكترونية بحذر واضح، وهذا الحذر مفهوم إلى حد بعيد، لأن الفوضى التي رافقت النشر الإلكتروني جعلت الناقد أكثر تحفظًا في إطلاق الأحكام، وأكثر تمسكًا بالمعايير التي استقرت في الأدب الورقي.ولذلك بقي الكتاب الورقي محتفظًا بمكانته، ليس فقط لأنه الوسيط القديم، وإنما لأن المؤسسة الأدبية والنقدية ما زالت تمنحه قدرًا كبيرًا من الثقة، ولأن النشر الورقي يخضع، في الغالب، لمراحل من الاختيار والتحرير والمراجعة قبل وصول النص إلى القارئ.لكن هذا لا يعني أن الكتابة الرقمية عابرة أو مؤقتة.فالتحولات التقنية لا تنتظر موافقة النقد، والجيل الجديد لا ينظر إلى الشاشة باعتبارها بديلًا ناقصًا عن الورق، وإنما يتعامل معها بوصفها فضاءه الطبيعي للقراءة والكتابة والتفاعل.ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستختفي الكتابة الورقية أمام الكتابة الرقمية؟ بل أصبح: كيف يمكن للنقد العربي أن يطور أدواته ومصطلحاته لاستيعاب الأدب الذي تخلقه البيئة الرقمية؟نحن بحاجة إلى نقد لا يرفض الجديد لمجرد أنه جديد، ولا يقبله لمجرد أنه رقمي. نحتاج إلى نقد يقرأ النص في بنيته الفنية، ويدرس خصوصية الوسيط الذي أنتجه، ويميز بين التجربة الرقمية الحقيقية وبين مجرد نقل النص الورقي إلى شاشة، فليست كل كتابة منشورة على الإنترنت أدبًا رقميًا، كما أن نشر الرواية الورقية إلكترونيًا لا يجعل منها رواية رقمية بالضرورة.الأدب الرقمي، إذا أردنا أن نعترف به جنسًا أدبيًا، يحتاج إلى شروطه وخصائصه وأدواته النقدية، ويحتاج قبل ذلك إلى مصطلحات دقيقة تستطيع أن تسمي الأشياء بأسمائها.ولعل هذه هي قضيتنا الكبرى: إننا ندخل عصرًا أدبيًا جديدًا بأدوات نقدية قديمة، ونحاول أن نصف عالمًا متغيرًا بمفردات لم تُصنع أصلًا لوصفه.ومن هنا فإن معركة المصطلح الرقمي ليست معركة لغوية فحسب، وإنما هي جزء من معركة أوسع حول مستقبل الأدب نفسه، فحين تتغير وسيلة الكتابة، تتغير علاقتنا بالنص، وحين تتغير علاقتنا بالنص، تتغير علاقتنا بالكاتب والقارئ والمتلقي، وعندها لا بد أن تتغير اللغة التي نصف بها هذه العلاقة.وربما يكون "المُترقِّم" مجرد محاولة أولى في هذا الطريق، وقد يثبت المصطلح مع الزمن، أو يستبدل به مصطلح آخر أكثر دقة؛ فالمصطلحات، في النهاية، لا تفرض نفسها بالقوة، وإنما تختبرها الممارسة النقدية والاستعمال الثقافي.المهم ألا نبقى أسرى المصطلحات القديمة، ولا أسرى الخوف من الجديد، فاللغة التي عجزت عن تسمية التحول، ستعجز في النهاية عن فهمه.