مدار الساعة - كتب موسى ناصر الفارع الوريكات -
ليس كل خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد موقف رسمي لدولة تجاه الأحداث بل إن بعض الخطابات تكشف عن الطريقة التي تقرأ بها الدولة محيطها وتحدد بها أولوياتها وتدافع بها عن مصالحها وفي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني الأخير برزت فكرة لافتة جعلها مدخلاً لقراءة المشهد الدولي بأكمله وهي أن الانتباه لم يعد مجرد مسألة إنسانية أو إعلامية بل أصبح مورداً جيوسياسياً يحدد أي الأزمات تبقى في واجهة الاهتمام وأيها تتحول مع الوقت إلى واقع معتاد وهذه الفكرة جاءت في توقيت بالغ الحساسية لمنطقة تعيش أزمات متداخلة من غزة والضفة الغربية إلى سوريا ولبنان واليمن والسودان فكان الخطاب أبعد من توصيف الأحداث ليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية ما يختار أن يراه وما يختار أن يتجاهله.قوة الخطاب جاءت أيضاً من الطريقة التي قدّم بها جلالة الملك الموقف الأردني من موقع الدولة التي تعرف حدودها ومصالحها لكنها لا تتعامل معها بمعزل عن محيطها فحين تحدث عن غزة والضفة الغربية لم يفصل القضية الفلسطينية عن الأمن الإقليمي وحين تحدث عن سوريا ربط أمن الحدود الشمالية للأردن بأمن المملكة ومصالحها المائية وفي الوقت نفسه أكد أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا يعني ضعفاً ولا تراجعاً عن حماية مصالحه وهنا تظهر إحدى أبرز سمات الحضور الأردني في المحافل الدولية وهو الجمع بين لغة الحوار ووضوح الموقف وهي معادلة حافظ عليها جلالة الملك عبدالله الثاني عبر سنوات من الحضور المتواصل في المنابر الدولية وفي هذا الخطاب تحديداً بدا صوت الأردن واضحاً ومباشراً دون أن يتخلى عن لغة الدولة التي تفتح أبواب الحوار حتى في أكثر المراحل تعقيداً.واللافت أن الخطاب لم يتوقف عند أزمات المنطقة بل انتقل إلى صورة الأردن الذي يريد أن يبني مستقبله بالتوازي مع تعامله مع أزماته فكان الحديث عن الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا ومواجهة الإرهاب والمخدرات وحماية المقدسات ودعم صمود الفلسطينيين واستمرار الدور الأردني الإنساني والسياسي جزءاً من رؤية أوسع لدور المملكة وهنا تكمن أهمية الخطاب بالنسبة للأردن فهو لا يقدم المملكة كدولة تنتظر نتائج ما يحدث حولها بل كدولة حاضرة في صياغة المواقف والدفاع عن مصالحها والتأثير في النقاش الدولي بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني الذي اختار أن يجعل الدبلوماسية الأردنية قائمة على الثبات والوضوح والانفتاح وفي عالم تتغير فيه الأولويات بسرعة يبقى السؤال الذي ختم به الخطاب أكثر من مجرد عبارة ختامية فالمستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله وهذه في جوهرها رسالة سياسية تختصر الكثير من رؤية الأردن في هذه المرحلة .حين يصبح الانتباه موقفاً… قراءة في خطاب الملك عبدالله الثاني
مدار الساعة ـ











