أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يتكلم الأردن.. يصبح الانتباه مسؤولية


المحامي زيد الهبارنة الدعجة

حين يتكلم الأردن.. يصبح الانتباه مسؤولية

مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات، وتتسارع فيه الأحداث حتى تكاد المآسي أن تفقد مكانها في ذاكرة العالم، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضع إصبعه على واحدة من أخطر مشكلات عصرنا: أن العالم لا يعاني فقط من كثرة الأزمات، بل من قِصر الانتباه إليها.

فالانتباه، كما طرحه جلالة الملك، لم يعد مجرد قدرة على متابعة الأحداث، بل أصبح مسؤولية سياسية وإنسانية؛ لأن ما يختار العالم أن يضعه في دائرة اهتمامه، هو ما يحظى بفرصة أكبر للتحرك والمعالجة، وما يُترك خلف تلك الدائرة قد يتحول مع الوقت إلى واقع دائم وأزمة أكثر تعقيداً.

ومن على منبر الأمم المتحدة، لم يتحدث الأردن بلغة عابرة أو موقف مؤقت، بل تحدث من موقع دولة تعرف حجم التحديات التي تحيط بها، وتدرك مسؤوليتها تجاه قضايا أمتها، وتتمسك في الوقت ذاته بثوابتها ومصالحها الوطنية.

وفي مقدمة هذه القضايا، جاءت فلسطين، بما تحمله من حقوق وعدالة وكرامة إنسانية، وما تمثله القدس من مكانة تاريخية ودينية، في ظل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.

لقد كان الموقف الأردني واضحاً: لا يمكن أن يصبح استمرار الأزمات بديلاً عن حلها، ولا يجوز أن يتحول القانون الدولي إلى نصوص تُحترم حيناً وتُتجاهل حيناً آخر.

فالسلام الحقيقي لا يُبنى بإدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما بمعالجة جذورها، واحترام القانون، وحماية حقوق الشعوب، وإيجاد حلول عادلة وقابلة للاستمرار.

ومن هنا، يمكن اختصار الرسالة الأردنية في معادلة واضحة:

نحن مع السلام، لكن سلاماً يصون الحقوق.

مع الحوار، لكن حواراً يحمي الكرامة.

مع القانون الدولي، لكن قانوناً يُطبق على الجميع.

ومع الاستقرار، لكن استقراراً لا يقوم على تجاهل أسباب الصراع.

وفي الوقت ذاته، حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن الأمن الوطني الأردني.

فالأردن يؤمن بالدبلوماسية والحوار، ويفتح أبوابه للتعاون مع الجميع، لكنه في الوقت ذاته لا يساوم على أمنه وحدوده ومياهه ومصالح شعبه.

وهنا تتجلى خصوصية الموقف الأردني: الانفتاح ليس ضعفاً، والدبلوماسية ليست تراجعاً، والهدوء لا يعني غياب الحزم.

وقد أكد جلالة الملك بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن ينظر بعيداً عندما يتعلق الأمر بأمنه ومصالح شعبه.

لكن قوة الخطاب لا تتوقف عند رسائله إلى المجتمع الدولي، بل تمتد إلى الداخل الأردني أيضاً.

فحين يقول جلالة الملك إن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار تجاهله، فإن هذه الرسالة لا تخص الدول والحكومات وحدها؛ إنها رسالة لكل مواطن، ولكل مؤسسة، ولكل صاحب مسؤولية.

فما الذي يجب ألا نتجاهله نحن؟

لا ينبغي أن نتجاهل قيمة الدولة ومؤسساتها، ولا أهمية وحدتنا الوطنية، ولا ضرورة احترام القانون، ولا خطورة خطاب الفتنة، ولا حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الشباب، ولا الحاجة إلى اقتصاد أقوى وفرص أوسع ومستقبل أكثر قدرة على الاستمرار.

فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مزيد من العمل.

يحتاج إلى مواطن يؤدي واجبه، وشاب يصنع فرصته، ومؤسسة ترفع مستوى أدائها، ومسؤول يدرك أن موقعه ليس امتيازاً، بل أمانة، ومجتمع يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام.

فالوفاء للوطن لا يُقاس بما نقوله عنه، بل بما نفعله من أجله.

لقد حمل جلالة الملك صوت الأردن إلى العالم، وحان دورنا أن نحمل مسؤولية الأردن في الداخل؛ بالعمل، والوعي، والانضباط، والثقة، والقدرة على الاختلاف دون أن نمسّ وحدتنا.

فالوطن لا يُبنى بالأمنيات، ولا تُحمى الدول بالشعارات.

الوطن يُبنى حين يتحول حبّه إلى سلوك، والانتماء إليه إلى مسؤولية، والمستقبل إلى مشروع عمل.

وإذا كان العالم مدعواً إلى الانتباه لما يتجاهله، فنحن أولى بأن ننتبه إلى ما يستحقه الأردن منا: أن نحافظ على أمنه، ونصون وحدته، ونبني اقتصاده، ونفتح الطريق أمام شبابه، ونحمي مؤسساته، ونترك للأجيال القادمة وطناً أكثر قوة وقدرة على مواجهة المستقبل.

إن رسالة خطاب جلالة الملك ليست أن نستمع فقط، ولا أن نصفق فقط، وإنما أن نفهم وأن نتحرك.

فالكلمة حين تصدر من القيادة تصبح مسؤولية، والموقف حين يعلنه الوطن يحتاج إلى ترجمة على الأرض.

والرد الحقيقي على التحديات ليس في ارتفاع الصوت، وإنما في ارتفاع مستوى العمل.

أن نبقى صفاً واحداً، وأن نعمل أكثر، وأن نختلف بوعي، وأن نختلف دون أن نختلف على الوطن.

ذلك هو الأردن الذي نريده؛ دولةً قوية بمؤسساتها، عزيزة بثوابتها، آمنة بشعبها، منفتحة على العالم، ثابتة في مواقفها، وقادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

وحين يتكلم الأردن، فإنه لا يتحدث عن نفسه فقط؛ بل يحمل رسالة دولةٍ تعرف أن السلام يحتاج إلى عدالة، وأن الاستقرار يحتاج إلى مسؤولية، وأن المستقبل يحتاج إلى شجاعة في مواجهة ما نحاول تجاهله.

لقد تحدث الأردن أمام العالم… وحان دورنا أن نتحدث عن الأردن بأفعالنا.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وحفظ سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا الأمن والعزة والاستقرار.

مدار الساعة ـ