مدار الساعة - كتب: وصفي جمعه الحوامده - شكّل الخطاب القوي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، خارطة طريق واضحة وراشدة لمواقف الأردن وأبجديات وثوابت سياسته من مختلف القضايا والأزمات الإقليمية والدولية.
الخطاب الملكي، الذي لا يماثله خطاب، لم يقف عند حدود القضايا والتحديات السياسية المعروفة للجميع، بل ذهب نحو التأشير على أبعادٍ أمنية وفكري وحيوية لها، على الدول والاقليم والشعوب.ولم يغفل الخطاب الملكي التداخل في التأثيرات للأزمات على قضايا الأمن والاستراتيجيات الوجودية، حينما لامس تأثر قطاع المياه، الذي هو محوري في الحالة الأردنية، لتأثره بالحرب والمخططات التي تستهدف أمن الاقليم والجوار الاردني.ففي القضية السورية، جاء خطاب الملك محمّلاُ برسالة بالغة الوضوح والدقة، حين أشار جلالته إلى أن سوريا "تمثل إنذارا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها"، وأن ثمة "حقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية"، كان يصوغ بلغة دبلوماسية رصينة واقعا ميدانيا موثقا. وحين أضاف أن "أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي"، كان يترجم هذا الواقع إلى موقف سياسي رسمي مسجّل في محضر أرفع منبر دولي.وقد سبق أن عالجتُ هذه المسألة في رسالة الماجستير التي أعددتها حول الأمن المائي المشترك عام 2019، وتحديدا واقع حوض اليرموك، حيث انتهيتُ إلى أن التوسع الإسرائيلي في هضبة الجولان وجنوب سوريا يستهدف في المقام الأول السيطرة على منابع المياه، وأن مصلحة الأردن في هذا الملف تعلو فوق كل الاعتبارات. وقد جاء خطاب جلالة الملك ليكرّس هذا الطرح على المستوى الدولي. لا بد من الإحاطة بالجغرافيا الهيدرولوجية لحوض اليرموك. فالنهر، البالغ طوله نحو 57 كيلومتراً، يقع 47 كيلومتراً منها داخل الأراضي السورية، ويتغذى من روافد رئيسية أهمها وادي الرقّاد المنبعث من هضبة الجولان المحتلة، يليه وادي علان شمالاً، والإحريّر والزيزون شرقاً، ووادي الذهب من جبل حوران جنوباً. ومعنى سيطرة إسرائيل على موارد داخل جنوب سوريا المائية أنها تتحكم بمنابع أكبر هذه الروافد وأهمها استراتيجياً، إضافة إلى السدود المقامة على مسارها قبل مصبّها في اليرموك ثم سد الوحدة عند الحدود الأردنية.ويستدعي ذلك الإطار القانوني والتاريخي لتقاسم المياه: فاتفاق جونسون عام 1953 حدد للأردن نحو 530 مليون متر مكعب سنوياً من اليرموك، واتفاقية التقاسم مع سوريا عام 1987 قدّرت التدفق الطبيعي بـ500 مليون متر مكعب سنوياً، بحصة أردنية تتجاوز 200 مليون متر مكعب في حال التطبيق الأمثل، مقابل سقف 26 سداً لسوريا على الروافد. غير أن الواقع خالف ذلك: فقد أنشأت سوريا نحو 63 سداً وحفيرة، وحفرت ما يقارب 10,000 بئر ارتوازي، وضخّت المياه خارج الحوض، فلم تتجاوز الكمية الواصلة إلى الأردن في كثير من السنوات 35 مليون متر مكعب، وأقل من ذلك في مواسم الجفاف — أي أقل من 10% من الحصة المستحقة — وتراجع جريان النهر من نحو 16 متراً مكعباً في الثانية قبل الستينيات إلى ما يقارب متراً مكعباً واحداً اليوم.ونظرا للوضع الجيوسياسي متغير ما بعد سقوط نظام الأسد، فقد نقل الصراع إلى مستوى أخطر: ففي السابع عشر من كانون الأول 2024 سيطرت القوات الإسرائيلية على الجانب السوري من سد الوحدة، المشروع المشترك الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 110 ملايين متر مكعب، وتحمّلت الأردن الجزء الأكبر من تكلفته البالغة نحو 100 مليون دولار مقابل 25% فقط من طاقته الكهرومائية. وتوسعت السيطرة بحسب تقارير ميدانية لتشمل نحو عشرة سدود أخرى في جنوب سوريا، أبرزها سد المنطرة الذي بلغ انخفاضاً خطيراً مع إقامة سواتر ترابية تحجب السكان، وسد كدنا المتراجع إلى برك متفرقة، وسد الحجّة الجافّ تماماً، وسدود متعددة على وادي الرقّاد نفسه. وهذه المنظومة مجتمعة تفسر السيطرة أعلى المنابع، فالسيطرة لا تنحصر في سد واحد، بل تمتد إلى شبكة كاملة تشكّل نحو نصف موارد جنوب سوريا المائية، ونسبة مقاربة من الموارد التي كانت تصل تاريخياً إلى الأردن عبر الحوض ذاته.وهنا يتحدد جوهر التهديد: فسيطرة إسرائيل على أعلى المنابع (وادي الرقّاد ومنابعه في الجولان) وعلى سد الوحدة عند نهاية مسار النهر قبل الحدود الأردنية مباشرة، تمنحها قدرة على التحكم بتوقيت وكمية المياه المتجهة جنوباً من منبعين مفصليتين في آن واحد، لا من منبع واحدة كما كان الحال حين كان الخلاف محصوراً بين عمّان ودمشق. وهذا يعني أن أي ضغط سياسي مستقبلي قد يترجم مباشرة إلى تقليص إضافي في كمية متراجعة أصلاً إلى أقل من 10% من الحصة المستحقة، في بلد لا يتجاوز فيه نصيب الفرد من المياه المتجددة 61 متراً مكعباً سنوياً — أقل من 6% من المتوسط العالمي البالغ نحو 1000 متر مكعب.ولا تبدو مؤشرات التهدئة قريبة؛ فبحسب تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، سجّلت القوات الإسرائيلية 65 عملية توغل في تموز/ 2026 ، و52 عملية أخرى في الأيام الثمانية عشر الأولى من آب/ 2026، في خرق متواصل لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، بينما تبقى مباحثات إعادة هيكلة تقاسم الحوض بين عمّان ودمشق، الجارية منذ منتصف 2025، تفاوضاً على مياه لا يملك أحد طرفيها مفاتيح منابعها الفعلية في ظل التوسع الإسرائيلي.ومن هنا يكتمل المعنى السياسي للخطاب الملكي: فحين وصف النهج الإسرائيلي بأنه "خطوة محسوبة تلو الأخرى" يُختبر بها "إلى أي مدى يمكن الاستمرار"، فإن التسلسل الزمني لملف اليرموك — من سد واحد في كانون الأول 2024 إلى شبكة كاملة بحلول 2026 — يقدّم توضيحاً حرفياً لهذه العبارة. وحين قال: "لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا"، لم يكن يتحدث عن احتمال نظري، بل عن واقع جيولوجي و هندسي قائم عند المنابع، ينتظر أن يقرر المجتمع الدولي إن كان سيتحرك بشأنه أم يكرر معه صمته المعتاد.يتأكد مما تقدم ضرورة إنشاء هيئة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة لإدارة المياه المشتركة، تضمن الاستدامة والتوزيع العادل التاريخي على أساس مبدأ تقاسم المنافع وتحمل المسؤوليات المشتركة. فغياب إطار مؤسسي دولي من هذا القبيل لا يترك أمام الأطراف سوى إدارة أزمات متكررة، في وقت تتفاقم فيه الضغوط المائية والجيوسياسية على حوض اليرموك، أحد أخطر النقاط الساخنة في الجغرافيا المائية للشرق الأوسط.الأمن المائي في الخطاب الملكي
مدار الساعة ـ










