أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
الملك امام الأمم المتحدة.. ثبات الرمزية

الملك امام الأمم المتحدة.. ثبات الرمزية في زمن السياسات المتغيرة


الدكتور عدنان مقطش

الملك امام الأمم المتحدة.. ثبات الرمزية في زمن السياسات المتغيرة

مدار الساعة ـ

تقتضي قراءة المشهد الدولي الراسخ استيعاب حقيقة أن ثبات المواقف وحضور الدولة يُمثلان رصيداً استراتيجياً متيناً يتجاوز التقلبات المرحلية والهزات الجيوسياسية المتلاحقة ، ففي هذا السياق كشفت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بنيويورك بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد عن رؤية سياسية تتجاوز حدود العرض الدبلوماسي التقليدي لتصاغ كمرافعة استراتيجية متكاملة حول التوازنات الدولية ومفهوم العدالة والإلزام القانوني.

استهل جلالة الملك الخطاب بوضع المجتمع الدولي أمام مصفوفة حقيقية لتحديات العصر، مُسلّطاً الضوء على أزمة (تشتت الانتباه الدولي) وتحول الاهتمام الجيوسياسي إلى وسيلة للتغاضي عن النزاعات البنيوية.

الخطاب لفت إلى أن إدارة الظهر للأزمات الممتدة من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وصولاً إلى أوروبا لا تعني تلاشي آثارها، بل تسهم في مجيء تداعياتها الاقتصادية والإنسانية العابرة للحدود لتلقي بظلالها على الأسواق وسلاسل الإمداد ومستويات المعيشة في مختلف دول العالم دون استثناء.

وفي الملف الفلسطيني، أصّل الخطاب المسألة بعيداً عن السطحية السياسية؛ محذراً من الخطورة الاستراتيجية للفصل بين ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، باعتبارهما مساراً واحداً يستهدف تجريف فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وقابليتها للحياة. وعرّى الملك حالة الانتقائية التي تحكم تطبيق القانون الدولي ونهج الإفلات من العقاب، مؤكداً أن الاستمرار في غض الطرف عن الانتهاكات الاستيطانية وممارسات التهجير القسري يمثل تقويضاً مباشرًا لمنظومة السلم والأمن الدوليين وللشرعية الأممية برمتها.

ولم تقف المرافعة الملكية عند الحدود الإقليمية القريبة، بل امتدت لتحدد خطوطاً حمراء بخصوص الأمن القومي الأردني ،حيث أشار الخطاب صراحة إلى أن أي تطورات أو توغلات تمس السيادة أو الاستقرار في جنوب سوريا وتؤثر على المصادر المائية الحيوية والأمن الحدودي، تُعد تهديداً مباشراً ومباشراً للأمن القومي الأردني؛ مشدداً على أن المملكة ستتعامل مع هذه الملفات بصلابة كاملة لحماية أمنها المائي والحدودي ومصالح شعبها العليا.

وعلى المستوى التنموي والمستقبلي، قدم الخطاب النموذج الأردني القائم على التوازن والصلابة، مشيراً إلى محورية موقع المملكة كمركز للتجارة، والصناعة، والتكنولوجيا، والربط الإقليمي في المنطقة.

وأكد الخطاب أن هذا الدور المحوري يتوازى مع مواصلة النهوض بالواجبات التاريخية، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، وصون الإرث المسيحي الأصيل، ومكافحة الإرهاب والتهريب، ودعم صمود الأشقاء.

إن خطاب الملك في نيويورك يمثل وثيقة سياسية رفيعة المستوى حافلة بالتأطير الاستراتيجي؛ فهي ترسم بوضوح الحدود الفاصلة بين الالتزام بالسلام العادل وشروط حماية الأمن القومي، وتؤكد مجدداً أن قوة الأردن تكمن في ثباته، ووضوح رؤيته، وقدرته الدائمة على بناء الشراكات مع الحفاظ الكامل على خياراته السياسية وسيادته الوطنية.

مدار الساعة ـ