خطاب تاريخي، مفصلي وهام، لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في الثاني والعشرين من أيلول عام 2026، سيبقى محطة بارزة في تاريخ الخطاب العربي، لما حمله من مواقف واضحة وصريحة، وما تضمنه من رسائل قوية ومدوية إلى العالم أجمع.
ففي هذا المحفل الدولي الكبير، الذي جمع رؤساء دول وحكومات وممثلين عن مختلف دول العالم، أكد جلالة الملك، بصوت عربي شجاع وصريح، موقف الأردن الثابت والواضح تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية، إلى جانب موقفه من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، وضرورة الوصول إلى حلول حقيقية وجذرية للصراعات التي تعصف بها.لقد وضع جلالة الملك النقاط على الحروف، مؤكداً أن استمرار الأزمات والصراعات في المنطقة لا يمكن أن يكون قدراً محتوماً، وأن على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته السياسية والقانونية والأخلاقية، وأن يعمل بصورة جادة ومسؤولة من أجل إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط، بما يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها، ويؤسس لسلام عادل ودائم.ولعل من أبرز ما حمله الخطاب من رسائل واضحة، التأكيد على أن القوة العسكرية وحدها لن تكون كافية، ولن تحقق العدالة والاستقرار، فهي لا تستطيع وحدها أن تطعم الجائع، أو تعيد المهجر إلى وطنه، أو تبني السلام. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى مؤسسات دولية تتمتع بالشرعية، وإلى احترام للقانون الدولي، وإلى ثقة بأن القوانين والاتفاقيات ستطبق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية.وفي هذا السياق، وجّه جلالة الملك رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن إدارة الصراع ليست حلاً للصراع، وأن ترك الأزمات مفتوحة لعقود لا يؤدي إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار. فالمطلوب هو معالجة الصراع من جذوره، وليس الاكتفاء بإدارته وتأجيل استحقاقاته، أو السماح بتحويل الوقائع المؤقتة إلى حقائق دائمة على الأرض. وقد عبّر جلالته بوضوح عن أن المجتمع الدولي اختار، على مدى عقود، إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من مواجهته والعمل الجاد على حله.وهنا تبرز أهمية الخطاب في هذه المرحلة الحساسة، إذ جاء بنبرة عربية صادقة وجريئة، واضعاً المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، في وقت تستمر فيه انتهاكات القانون الدولي والإنساني، وتتواصل المعاناة الفلسطينية، بينما تبدو قدرة النظام الدولي على وقف هذه الأزمات موضع تساؤل متزايد.لقد أكد جلالة الملك أن استمرار غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية، وما يجري في غزة والضفة الغربية، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجموعة من الأحداث المنفصلة، بل باعتباره نتيجة مباشرة لاستمرار غياب الحل السياسي العادل. كما حذر من الإجراءات التي تهدف إلى تغيير الواقع على الأرض، ومن مخاطر الاستيطان وضم الأراضي والعنف والتهجير، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية.كما حمل الخطاب تأكيداً واضحاً على الثوابت القومية العربية والإسلامية، وعلى مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الأمة، وعلى ضرورة المحافظة على الحقوق العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القدس الشريف ومقدساتها.وفي هذا الإطار، جاء التأكيد على الدور التاريخي للقيادة الهاشمية الأردنية في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف والمحافظة على وضعها التاريخي والقانوني القائم. وهو الدور الذي يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، القيام به انطلاقاً من الوصاية الهاشمية التاريخية، وحرص الأردن على حماية هوية القدس ومقدساتها، وصونها من محاولات تغيير واقعها أو المساس بمكانتها الدينية والتاريخية.وفي الوقت نفسه، لم يغفل جلالة الملك الحديث عن الأردن وأمنه الوطني، مؤكداً أن التزام المملكة بالدبلوماسية والحوار والسلام لا يمكن أن يُفهم بأي حال من الأحوال على أنه ضعف أو تهاون في حماية أمن الأردن ومصالحه.فالرسالة الملكية كانت واضحة: الأردن دولة تسعى إلى السلام، ومنفتحة على الحوار مع الجميع، ومستعدة للعمل مع كل من يسعى إلى السلام، لكنها في الوقت ذاته لن تتهاون في حماية أمنها الوطني وسيادتها ومصالح شعبها.وأكد جلالة الملك بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يقف متفرجاً أمام أي خطر يمس أمنه أو مصالحه، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه بكل الوسائل المشروعة.وهذا الموقف يشمل مختلف مصادر التهديد التي يمكن أن تستهدف المملكة، سواء من الجماعات الإرهابية والمسلحة، أو من عصابات تهريب الأسلحة والمخدرات والمواد الممنوعة عبر الحدود، أو من أي جهة تحاول المساس بأمن الأردن واستقراره وسيادته.وفي الوقت ذاته، يواصل الأردن تطوير قدراته الدفاعية والعسكرية بصورة مستمرة، وبما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة، مستفيداً من الأساليب والتقنيات الدفاعية الحديثة، بهدف حماية حدوده وأمنه الوطني من مختلف الاتجاهات، والحفاظ على استقرار المملكة وسلامة شعبها.وهنا تكمن أهمية الرسالة الأردنية: الأردن مع السلام، لكنه ليس مع السلام الذي يأتي على حساب أمنه أو سيادته أو حقوقه. والأردن مع الحوار، لكنه لا يعتبر الحوار بديلاً عن حماية الوطن. والأردن مع القانون الدولي، لكنه يريد قانوناً يطبق على الجميع دون ازدواجية أو انتقائية.إن خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب بروتوكولي في مناسبة دولية، وإنما كان رسالة سياسية وأخلاقية وقانونية واضحة، وضع فيها جلالته قضايا المنطقة أمام العالم، مؤكداً أن استمرار الصراع دون حل لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وأن الطريق الحقيقي إلى الأمن والسلام يبدأ بمعالجة جذور الصراع وإعادة الحقوق إلى أصحابها.لقد كان خطاباً يحمل صوت الأردن، لكنه في الوقت ذاته حمل صوتاً عربياً وإسلامياً واضحاً، مدافعاً عن الحق والعدالة والسلام، ومؤكداً أن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من القوة والحروب بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وعدالة حقيقية، واحترام للقانون الدولي، وحلول تنهي الصراعات بدلاً من إبقائها مشتعلة.وفي النهاية، فإن القول الفصل الذي يمكن استخلاصه من خطاب جلالة الملك هو أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا يتحقق بإدارة الصراعات وتأجيلها، وإنما بإحقاق الحق، واحترام القانون الدولي، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وإنهاء الاحتلال والعدوان، وإقامة واقع سياسي يضمن الأمن والكرامة والاستقرار لشعوب المنطقة كافة.وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى العالم من على منبر الأمم المتحدة، بصوت واضح لا لبس فيه، وبموقف ثابت لا يتغير بتغير الظروف والأزمات.
القول الفصل في خطاب تاريخي لجلالة الملك
مدار الساعة ـ