أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

سقوط الأقنعة وتعرية 'اقتصاد التشتيت': كيف حشر الخطاب الملكي في الأمم المتحدة ضمير العالم في الزاوية؟


عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.

سقوط الأقنعة وتعرية 'اقتصاد التشتيت': كيف حشر الخطاب الملكي في الأمم المتحدة ضمير العالم في الزاوية؟

عبد الرحمن ابو نقطة
عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
مدار الساعة ـ

حين تتسابق الأزمات وتتكدس مآسي العالم على طاولات الدبلوماسية الهشة، يصبح "النسيان الممنهج" و"التغاضي المقصود" أسلوبي حياة للمجتمع الدولي. غير أن جلالة الملك عبدالله الثاني أبى في خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلا أن يواجه العالم بالحقيقة العارية، عارياً من مساحيق الدبلوماسية، ورافضاً لمنطق "اقتصاد التشتيت" الذي تُدير به القوى الكبرى ظهرها للحقائق. لم يكن الخطاب مجرد سرد عابر للآلام، بل كان محاكمة صارخة لتقاعس عالمي لم يعد خفاءً، بل أصبح خياراً سياسياً مفضوحاً.

لقد وضع الملك أصبع الجرح بدقة متناهية على العصب الحساس للصراع؛ مفككاً أوهام الحكومة الإسرائيلية ومساعيها الحثيثة لجعل الدولة الفلسطينية خرافة مستحيلة التنفيذ. لقد تمرد الخطاب على لغة "التعقيم اللفظي" التي تستخدمها الدوائر الدولية لتخفيف وطأة الجرائم؛ حيث أشار جلالته بوضوح إلى أن هدم البيوت ليس "إنفاذاً للقانون" بل تهجير قسري، وأن الاستيلاء على الأراضي ليس "تسجيلاً عقارياً" بل ضمّ فعلي، وأن شبكة الحواجز والممارسات ليست "بنية تحتية أمنية" بل نظام قهر واستعباد مكتمل الأركان.

وقد تجسدت قوة الطرح في تعرية الوهم الإسرائيلي عبر التأكيد على أن رفض الاحتلال للحقوق الفلسطينية وتفريغ الأرض عبر الاستيطان الممنهج ليس موقفاً عابراً، بل نهج استراتيجي متجذر. وإلى جانب ذلك، أسقط الخطاب محاولات تحويل القضية إلى صراع أديان، ليؤكد جلالته مجدداً أنها قضية حقوق إنسانية عادلة لمسلمين ومسيحيين محرومين من أبسط حقوقهم الأساسية في العيش بحرية وكرامة.

ولم يقف الملك عند حدود الوصف، بل واجه المجتمع الدولي بحقيقة امتلاكه لأدوات الردع والعقوبات والعزل التي تُستخدم بكفاءة مطلقة في ملفات عالمية أخرى، مما يضع العالم بأسره أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا مفر منها: التقاعس الدولي ليس عجزاً، بل هو تواطؤ بالصمت. ومن هذا المنطلق، أطلق جلالته تحذيرامشُبوباً بالصرامة من التوغلات والأطماع التوسعية الإسرائيلية التي تمتد نحو سوريا وتهدد الأمن المائي والقومي للأردن، مسجلاً موقفاً قاطعاً لا يحتمل التأويل: "لن يشيح الأردن بنظره، ولن نسمح بالمساس بأمننا".

لقد شدد الملك بعبارات حاسمة على أن الدبلوماسية الأردنية وانحيازها للسلام العادل لا يصح إساءة تفسيرها على أنها ضعف، وأن الأردن ماضٍ في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس عبر الوصاية الهاشمية، ودعم صمود الأشقاء ووكالة الأونروا مهما تبدلت موازين القوى أو اشتدت الضغوط.

في خاتمة المطاف، لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني مجرد كلمة تسجل في أرشيف المنظمة الدولية، بل كان ميزاناً أخلاقياً اختبر زيف المنظومة الدولية برمتها. لقد أكد جلالته أن القوة العسكرية والآلات المدمرة لا تصنع سلاماً ولا تطعم جائعاً، وأن انهيار "الثقة" في إنفاذ القوانين الدولية يعني انهيار العالم بأسره. ويبقى الأردن، كما كان دائماً، الصوت الأصدق الذي لا يساوم على المبادئ، والمنارة التي تذكّر العالم بأن المستقبل لا يُصنع بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً.

مدار الساعة ـ