لا يحتاج العالم إلى مبادرة سلام جديدة بقدر حاجته إلى مراجعة الافتراضات التي أفشلت المبادرات السابقة. بهذه الدلالة يمكن قراءة دعوة جلالة الملك عبدالله الثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى التخلي عن الأوهام في مقاربة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فالمشكلة لا تبدأ عند تعثر المفاوضات، وإنما قبل ذلك، حين تُبنى السياسات على قراءة تتجاهل الواقع، وتمنح الانتظار اسم الحكمة، وتتعامل مع إدارة الأزمة وكأنها طريق إلى إنهائها.
أهمية الخطاب الملكي أنه يعيد النقاش إلى السؤال الذي تتهرب منه الدبلوماسية حين تكتفي بالعبارات المألوفة: هل يريد المجتمع الدولي حل الصراع، أم يريد فقط تخفيف كلفة بقائه؟ ثمة فرق جوهري بين الهدفين؛ فالأول يستدعي مواجهة الأسباب وتحمّل مسؤولية القرارات، فيما يسمح الثاني باستمرار المشهد، مع تعديل اللغة كلما ازدادت فداحة النتائج.وفي مقدمة الأوهام التي تناول جلالته الحديث عنها، النظر إلى غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين. وهذه ليست ملاحظة جغرافية فحسب، بل مسألة تحدد طبيعة أي استجابة دولية ومدى قدرتها على معالجة أصل المشكلة. فحين تُختزل غزة في احتياجات الإغاثة والإعمار، وتُختزل الضفة في ترتيبات أمنية وإدارية، تضيع القضية السياسية بين تفاصيل المعالجة. الفلسطيني يحتاج إلى الغذاء والمأوى والحماية، لكنه ليس متلقيًا للمساعدة فقط؛ إنه صاحب حق في وطن ومستقبل وسيادة. ومن هنا، فإن الاستجابة الإنسانية ضرورة لا تحتمل التأجيل، لكنها لا تصلح بديلًا عن الحل السياسي، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتمويل بقاء المأساة بدل إنهائها.أما التحذير الملكي من التعويل على تغيّر موقف القيادة الإسرائيلية الرافض للدولة الفلسطينية، فيضع سياسة الانتظار أمام اختبار جدي. فالوقت ليس مساحة محايدة تتوقف فيها الوقائع إلى أن تنضج الظروف؛ وما يبدو تأجيلًا في قاعات الدبلوماسية قد يصبح خسارة يصعب تداركها على الأرض. ولذلك، لا يكفي إعلان التمسك بحل الدولتين إذا لم تقترن به إجراءات تحمي إمكانية تنفيذه.وبالمثل، فإن رفض جلالته مقولة إن العرب لم يسعوا إلى السلام، واستحضاره مبادرة السلام العربية، يعيدان المسؤولية إلى موضعها الصحيح. فلا يستقيم مطالبة طرف بتجديد إثبات رغبته في التسوية، بينما يُعفى الطرف الرافض لاستحقاقاتها من تقديم إجابة واضحة. السلام ليس اختبارًا مفتوحًا لحسن النيات العربية، بل التزام متبادل تُقاس جديته بما يقبله الأطراف من حقوق ومسؤوليات.إن أعمق ما تفتحه هذه الرسالة هو النقاش حول معنى الواقعية السياسية. الواقعية ليست التسليم بأن الأقوى يستطيع فرض ما يريد، وليست مطالبة الأضعف بالتكيف الدائم مع خسارته. الواقعية المسؤولة هي إدراك أن أي ترتيب ينكر الحقوق سيظل محتاجًا إلى القوة لحمايته، وأن تكلفة الإكراه المتواصل لا تقتصر على الفلسطينيين والإسرائيليين، بل تتحملها المنطقة بأسرها.وهنا تبرز قيمة الموقف الأردني: الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ليس منفصلًا عن الدفاع عن استقرار الإقليم. ومن مصلحة الدول التي تتحدث عن التنمية والاستثمار والتعاون أن تدرك أن هذه الأهداف تحتاج إلى تسوية عادلة، لا إلى هدوء مؤقت تعقبه جولة أخرى من العنف. فلا يمكن بناء مستقبل اقتصادي مشترك على أساس سياسي يتآكل باستمرار.والترجمة العملية لهذه القراءة تبدأ بربط المواقف الدبلوماسية بمؤشرات تنفيذ واضحة: حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومواجهة الإجراءات التي تقوّض الدولة الفلسطينية، وتحديد مسؤوليات الأطراف ضمن مسار سياسي قابل للمساءلة. لقد وضع جلالة الملك العالم أمام مسؤولية تتجاوز التعاطف إلى تصحيح السياسة نفسها. فالتخلي عن الأوهام لا يعني التخلي عن السلام، وإنما إنقاذه من الافتراضات التي عطّلته. وأول الجدية أن يعترف المجتمع الدولي بأن تكرار الأدوات ذاتها، مع انتظار نتيجة مختلفة، ليس استراتيجية. فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الوعود المؤجلة؛ تحتاج إلى إرادة تجعل حقوق شعبها أساسًا للحل، لا موضوعًا دائمًا للتفاوض على تأجيله.
الملك أمام الأمم المتحدة… إسقاط الأوهام قبل صناعة السلام
مدار الساعة ـ