مدار الساعة - كتب المهندس محمد فرحان الزيود -حين اعتلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يقف ليقدم مرافعة تقليدية تعيد سرد المأساة بل ارتقى ليمارس مواجهة جيوسياسية وفكرية معقدة وضعت النظام الدولي برمته في قفص الاتهام السياسي والأخلاقي .
لقد مثل هذا الخطاب نقلة نوعية في التراكم الدبلوماسي الأردني الممتد عبر عقود على ذات المنصة، إذ انتقل جلالته من دائرة التحذير المسبق واستشراف الأزمات إلى مرحلة تفكيك أدوات التضليل الدولي ومحاكمة التقاعس العالمي العمدي، ولم يعد الخطاب يخاطب النخب السياسية بمنطق الاستجداء بل بلغة المكاشفة الصادمة التي تعيد ضبط البوصلة نحو جوهر الصراع وتمنع محاولات تدجين القضية الفلسطينية أو حشرها في زوايا ثانوية من الأجندات الدولية العابرة. لقد برع جلالة سيدنا في إسقاط استراتيجيات تشتيت الانتباه وصناعة الإلهاء الممنهج التي حاولت عبرها قوى الاحتلال إزاحة القضية الفلسطينية عن مركزيتها الكونية حيث أكد بوضوح قاطع أن هذه القضية ليست ملفا جانبيا يدرج على هوامش الجداول الدبلوماسية بل هي القضية الأصل والأساس التي يتوقف عليها استقرار المنظومة العالمية بأسرها ولم يكتف جلالته بفضح محاولات الهروب إلى الأمام بل عمد إلى استحضار بعد استراتيجي غير مسبوق يتمثل في عولمة النتائج وربط النيران المشتعلة في الإقليم بالمعيش اليومي للمواطن الغربي حين ضرب مثلا بأسعار وفواتير الطاقة والكهرباء في مدريد ليبرهن لصناع القرار في الغرب ولشعوبهم أن وهم العزلة قد سقط وأن استمرار الصمت على جرائم الاحتلال ليس كلفة مجانية بل هو نار ستصل ارتداداتها الاقتصادية والأمنية إلى كل بيت في العواصم الأوروبية والعالمية. وفي تجل واضح لثوابت الأردن القومية وحسه العروبي الأصيل جاء الخطاب ليعلن رفضا قاطعا لا مساومة فيه للتوغل الإسرائيلي والعدوان على جنوب سوريا معتبرا أي محاولة لاستباحة الأراضي العربية تهديدا مرفوضا يمس الأمن القومي العربي في الصميم. وترافق هذا الموقف العروبي مع إشهار سيادي صارم لمنظومة الردع الأردنية إذ وضع جلالته العالم والاحتلال أمام حقيقة الموقف الدفاعي الحازم تجاه حدود المملكة الشمالية مبينا بلا مواربة ولا تردد حدة وبأس الرد الأردني في حال راودت أي طرف أوهام التفكير في تجاوز الخطوط الحمراء أو المساس بالتراب الوطني مؤكدا أن سيادة الأردن وحماية حدوده خطان من نار لا يقبلان الاختبار. إن القوة الكامنة في الخطاب تجسدت في ربطه العضوي بين معركة الوجود الفلسطيني وحصانة الجبهة الأردنية حيث نسف جلالته أوهام اليمين المتطرف وطروحات التهجير القسري ومشاريع الوطن البديل مبينا أنها ليست سوى أوهام ساقطة وجرائم حرب لن تمر وسيتصدى لها الأردن بكل ما أوتي من منعة وعزم وبذلك رسم جلالة الملك لوحة جيوسياسية بالغة الفصاحة والعمق جعلت من خطاب الأمم المتحدة وثيقة تاريخية تؤكد أن الأردن لم ولن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو متفرجا على اختلال موازين العدالة بل هو القلعة المنيعة التي تذود عن أمنها الوطني والعروبي وتضع القوى الدولية أمام مسؤوليتها الوجودية في وقف الانحدار نحو فوضى لا تبقي ولا تذر.أبعاد الحسم وعولمة الأثر.. قراءة استراتيجية في خطاب الملك
مدار الساعة ـ











