أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
حين تحدث الملك باسم الأردن.. كان

حين تحدث الملك باسم الأردن.. كان صوت المملكة أكبر من حدود المكان


وسيم العبادي

حين تحدث الملك باسم الأردن.. كان صوت المملكة أكبر من حدود المكان

مدار الساعة ـ

ليس كل خطاب يُلقى في الأمم المتحدة يصبح حدثًا.

هناك خطابات تمرّ كما تمرّ الكلمات في قاعة مزدحمة، تُسمع للحظات ثم تتوارى بين عناوين الأخبار، وهناك خطابات نشعر بها و تترك وراءها سؤالًا، أو موقفًا، أو صورة مختلفة لما يجري في العالم.

وخطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان، بالنسبة لي كأردني، من النوع الثاني؛ خطاب لم أشعر وأنا أتابعه أن ملك الأردن يقف فقط أمام العالم ليتحدث عن موقف بلاده، بل شعرت أن الأردن نفسه كان حاضرًا في تلك القاعة، بتاريخه، وثوابته، وهواجسه، وهدوئه، ووضوحه، وبكل ما يحمله الأردني في داخله عندما يتعلق الأمر بوطنه.

لهذا لم أستمع إلى الخطاب باعتباره حدثًا سياسيًا عابرًا، ولم أتعامل معه باعتباره مجموعة مواقف تُقال في محفل دولي ثم تنتهي.

كنت أستمع إليه من زاوية مختلفة: ماذا يعني أن يتحدث الأردن الآن؟ وماذا يعني أن يكون الملك عبدالله الثاني هو من يحمل صوته؟ وماذا يقول هذا الخطاب لنا نحن الأردنيين قبل أن يقوله للعالم؟

ربما هنا تكمن أهميته.

فالأردن لم يذهب إلى الأمم المتحدة ليشرح نفسه للعالم، بقدر ما ذهب ليقول للعالم إنه يعرف نفسه جيدًا.

يعرف ماذا يريد، ويعرف ما الذي يرفضه، ويعرف أن موقعه في هذه المنطقة المليئة بالنيران يفرض عليه قدرًا كبيرًا من الحكمة، لكن الحكمة الأردنية لا تعني التراجع، والهدوء لا يعني الضعف، والدبلوماسية لا تعني أن تتخلى الدولة عن حقها في حماية أمنها ومصالحها.

وهذه، في رأيي، كانت الروح التي حكمت خطاب جلالة الملك كله.

ملك يتحدث بهدوء دولة تعرف قوتها

ما يلفت في خطابات جلالة الملك أنه لا يحتاج إلى الصخب حتى يكون حازمًا.

لم يكن الخطاب استعراضًا للقوة، وإنما كان تعبيرًا عن قوة مختلفة؛ قوة الدولة التي تعرف حدودها، وتعرف تاريخها، وتعرف أن الكلمات عندما تصدر في اللحظة الصحيحة قد تكون أكثر تأثيرًا من الضجيج.

وهنا شعرت بالفارق.

لم يكن الملك عبدالله الثاني يتحدث من موقع دولة تريد أن تثبت أنها موجودة، بل من موقع دولة أثبتت حضورها عبر عقود من أصعب التحولات التي مرت بها المنطقة.

الأردن الذي تحدث عنه الملك ليس دولة معزولة عن محيطها، ولا دولة تبحث عن الخلاف من أجل الخلاف، وإنما دولة تعرف أن استقرارها جزء من استقرار الإقليم، وأن حماية أمنها ليست ترفًا سياسيًا، وأن مصالحها الوطنية ليست مجالًا للمجاملة.

ولذلك كان في الخطاب شيء من الثقة التي لا تحتاج إلى شرح.

ثقة بلد يعرف أن قوته الحقيقية ليست في حجمه الجغرافي، وإنما في تماسكه، وفي وضوح موقفه، وفي قدرته على الاستمرار رغم كل ما مرّ به.

فلسطين.. حين يرفض الأردن أن تصبح المأساة عادية

لكن الأردن لا يستطيع أن يتحدث عن نفسه دون أن يتحدث عن فلسطين.

هذه ليست مسألة دبلوماسية بالنسبة للأردنيين فقط، بل جزء من وجدان هذا البلد وتاريخه وموقفه.

ومن هنا جاءت غزة في الخطاب لا باعتبارها مجرد ملف سياسي بين ملفات العالم، وإنما باعتبارها اختبارًا حقيقيًا للإنسانية وللقانون الدولي ولقدرة المجتمع الدولي على ألا يعتاد المأساة.

وأعتقد أن هذه كانت من أكثر النقاط التي تستحق التوقف.

فالمشكلة ليست فقط في حجم ما يجري، وإنما في خطر أن يصبح ما يجري مألوفًا.

أن يرى العالم صور القتل والدمار والنزوح، ثم يتعامل معها بمرور الوقت باعتبارها مجرد أخبار أخرى.

أن تتحول المأساة إلى رقم.

والرقم إلى خبر.

والخبر إلى شيء معتاد.

هنا كان خطاب الملك يحاول إعادة الإنسان إلى قلب المشهد.

خلف كل رقم إنسان.

وخلف كل طفل فقد حياته عائلة.

وخلف كل مستشفى دُمّر حياة كان يمكن إنقاذها.

وخلف كل يوم إضافي للحرب مأساة جديدة.

ولذلك بدا الموقف الأردني في الخطاب واضحًا: لا يجوز للوقت أن يمنح الظلم شرعية، ولا يجوز أن يتحول طول الأزمة إلى مبرر لنسيانها.

وهذا بالضبط ما جعل الحديث عن غزة يتجاوز حدود السياسة إلى مساحة أخلاقية أوسع.

لكن الأردن لم يكن يتحدث عن فلسطين وينسى نفسه

وهنا تأتي النقطة التي أراها شديدة الأهمية في الخطاب.

ففي الوقت الذي يحمل فيه الأردن قضية فلسطين، فإنه لا يغيب عن حماية نفسه.

الأردن يعرف أن المنطقة التي يعيش فيها ليست منطقة آمنة، وأن الأزمات عندما تتسع لا تحترم الحدود.

ولهذا كان الحديث عن الأمن الوطني الأردني، وعن الحدود، وعن المياه، حديثًا واضحًا لا يحتمل التأويل.

وهنا، كأردني، شعرت أن الخطاب يلامس شيئًا نعيشه جميعًا.

الماء بالنسبة لنا ليس عنوانًا سياسيًا.

والحدود ليست خطوطًا على الخريطة.

والأمن ليس مجرد مصطلح في خطاب رسمي.

هذه تفاصيل تمس حياتنا ومستقبل أبنائنا، ولذلك عندما يؤكد الملك أن أمن الأردن ومصالحه الوطنية ليست موضع مساومة، فإننا لا نسمع موقفًا سياسيًا بعيدًا عنا، بل نسمع ما نريد أن نعرفه عن دولتنا في وقت شديد التعقيد.

الأردن يريد السلام، لكنه لا يساوم على أمنه.

يريد علاقات جيدة مع الجميع، لكنه لا يسمح بأن تتحول علاقاته إلى مدخل للمساس بمصالحه.

يمارس الدبلوماسية، لكنه لا يخلط بينها وبين التنازل.

وهذه المعادلة ربما كانت واحدة من أكثر الرسائل وضوحًا في الخطاب.

الأردن الذي لا يريد أن يبقى أسيرًا لأزمات المنطقة

والأجمل أن جلالة الملك لم يقدم الأردن باعتباره دولة منشغلة فقط بإطفاء الحرائق من حولها.

فالأردن، رغم كل ما يحيط به، يريد أن يعيش المستقبل.

يريد اقتصادًا أقوى.

ويريد فرصًا لشبابه.

ويريد استثمارًا وتكنولوجيا وصناعة وتجارة وربطًا إقليميًا.

يريد دولة لا تكون مهمتها فقط أن تتعامل مع الأزمات، وإنما أن تبني ما بعدها.

وهذا مهم جدًا.

لأن الأردن دفع، على مدى سنوات، أثمانًا كبيرة لأزمات لم يصنعها.

استقبل اللاجئين، وحمى حدوده، وحارب الإرهاب، وواجه تهريب المخدرات، وتحمل ضغوطًا اقتصادية وأمنية وسياسية متواصلة.

ومع ذلك لم يسمح لنفسه بأن يتحول إلى دولة تعيش على ردود الفعل.

وهنا أرى أن خطاب الملك حمل رسالة أخرى لنا نحن الأردنيين: نعم، المنطقة مضطربة، لكن الأردن لا ينبغي أن يعلّق مستقبله على اضطرابها.

علينا أن نحمي حاضرنا، لكن علينا في الوقت نفسه أن نبني غدنا.

هذا هو الأردن الذي ظهر في خطاب الملك

ربما لهذا كله خرجت من الخطاب بانطباع مختلف.

لم أرَ فيه فقط ملكًا يتحدث أمام العالم.

رأيت دولة تحاول أن ترسم لنفسها مكانًا في عالم شديد الاضطراب.

دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها ليست صغيرة في التجربة.

دولة لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تخاف منها عندما تُفرض عليها.

دولة اختارت الدبلوماسية، لكنها لم تتخلَّ عن ثوابتها.

دولة تتمسك بالسلام، لكنها تعرف أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق.

ودولة تعرف أن أمنها ليس تفصيلًا يمكن تأجيله.

وهنا تحديدًا فهمت لماذا كان الخطاب مهمًا لنا نحن الأردنيين.

لأننا لا نحتاج فقط إلى أن يتحدث أحد عن الأردن.

نحتاج إلى أن نشعر أن الأردن حاضر، وأن موقفه مفهوم، وأن ثوابته واضحة، وأن قيادته تعرف حجم المخاطر التي تحيط به.

وفي ذلك الخطاب، كان هذا الشعور حاضرًا بقوة.

ماذا بقي فينا بعد الخطاب؟

بعد أن انتهى الخطاب، بقي لدي شعور يصعب اختصاره في كلمة واحدة.

كان هناك فخر، نعم.

لكن الفخر لم يكن لأن ملك الأردن تحدث في الأمم المتحدة فقط.

كان الفخر لأنني شعرت أن الكلام الذي قيل هناك يشبه الأردن الذي أعرفه.

الأردن الذي لا يحب المغامرة، لكنه لا يقبل أن يُختبر في أمنه.

الأردن الذي يفتح أبوابه للآخرين، لكنه لا يسمح بأن يدفع ثمن ذلك من أمنه ومستقبله.

الأردن الذي يعرف قيمة السلام، لأنه يعرف قيمة الحرب وكلفتها.

والأردن الذي، رغم محدودية موارده، استطاع أن يحافظ على حضوره وتأثيره في منطقة لا ترحم الدول الضعيفة.

ولهذا فإن أقوى ما خرجت به من خطاب جلالة الملك ليس جملة بعينها، وإنما صورة كاملة.

صورة الأردن كما نريد أن نراه، وكما شعرنا أنه ظهر في نيويورك:

واضحًا دون صخب، قويًا دون استعراض، دبلوماسيًا دون تنازل، ومتمسكًا بفلسطين دون أن يغيب عن الأردن.

وهذه ربما هي المعادلة الأصعب.

أن تحمل قضية أكبر منك، دون أن تنسى وطنك.

أن تدافع عن السلام، دون أن تتخلى عن حقك في الدفاع عن نفسك.

أن تتحدث مع الجميع، دون أن تفقد صوتك.

وأن تكون محاطًا بالعواصف، دون أن تسمح لها بأن تحدد من تكون.

هذا هو الأردن الذي تحدث عنه الملك.

وهذا هو الأردن الذي شعرت به وأنا أستمع إليه.

وفي عالم تتغير فيه المواقف بسرعة، وتتبدل فيه الحسابات، ويبقى الإنسان أحيانًا آخر ما يُنظر إليه، كان من المهم أن يقف الأردن ويقول كلمته.

لا ليكون الأعلى صوتًا.

بل ليكون الأكثر وضوحًا.

وحين تحدث الملك عبدالله الثاني، لم يكن صوت رجل يقف في نيويورك فقط؛ كان صوت وطنٍ كامل يقف خلفه.

وكان ذلك، بالنسبة لنا كأردنيين، كافيًا لأن نشعر أن الأردن، مهما صغرت مساحته على الخريطة، لا يزال قادرًا على أن يكون أكبر من حدود المكان.

مدار الساعة ـ