خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس وقوف لإضافة كلمة جديدة إلى سجل الخطب الدولية، بل ليضع العالم أمام مسؤولية لا يستطيع الهروب منها؛ فحين يصبح الظلم واقعاً، والصمت سياسة، يصبح الكلام موقفاً، ويصبح الموقف مسؤولية.
من نيويورك، كان صوت الأردن واضحاً، ثابتاً، لا يناور في الثوابت ولا يساوم على الحق. وفي حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حمل جلالة الملك القضية الفلسطينية إلى المنبر الأممي باعتبارها قضية حق وعدالة وكرامة، لا قضية يمكن أن تُرحّل من عام إلى آخر حتى يعتاد العالم على الألم. وكانت القدس حاضرة بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية، وبما يحمله الأردن من مسؤولية الوصاية الهاشمية تجاه مقدساتها الإسلامية والمسيحية، في رسالة واضحة بأن العبث بهويتها ووضعها التاريخي والقانوني لا يمكن أن يصنع سلاماً، بل يفتح أبواباً جديدة للصراع.كانت الرسالة الملكية حاسمة في جوهرها: لا يمكن بناء سلام حقيقي فوق أنقاض الحقوق، ولا يمكن صناعة أمن دائم فيما يبقى الشعب الفلسطيني محروماً من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية كملف سياسي عابر، ولا إلى القدس كمدينة يمكن اختزالها في خرائط التفاوض. القدس في الوجدان الأردني والهاشمي أمانة وتاريخ ومسؤولية، والأردن يؤكد باستمرار رفض أي محاولة لفرض واقع جديد على القدس أو الضفة الغربية أو غزة.وهنا تكمن قوة الموقف الأردني: أن يقول ما يجب أن يُقال، حتى عندما يصبح قول الحقيقة أكثر كلفة من الصمت.فما يجري في المنطقة ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي للنظام الدولي نفسه؛ اختبار لمدى قدرة الأمم المتحدة على حماية القانون الدولي، ولقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من بيانات القلق إلى خطوات تضع حداً للتصعيد وتحمي الشعوب وسيادة الدول.ومن هذا المنبر، لا يتحدث الأردن عن فلسطين وحدها، بل عن مستقبل المنطقة بأكملها. عن دول عربية يجب أن تُصان سيادتها، وعن شعوب لا يجوز أن تدفع ثمن صراعات لا تنتهي، وعن شرق أوسط لا يمكن أن يعرف الاستقرار ما لم تُعالج جذور أزماته.لقد كان جلالة الملك واضحاً في التأكيد على ضرورة تكثيف العمل العربي والدولي لاستعادة التهدئة وحماية أمن الدول العربية وسيادتها، في وقت تتسع فيه دائرة التوتر الإقليمي.وهذه ليست لغة دولة تبحث عن مواجهة، بل لغة دولة تعرف أن السلام الحقيقي لا يعني إسكات البنادق مؤقتاً، وإنما إزالة الأسباب التي تجعل البنادق تعود إلى إطلاق النار.الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم، لا يرفع شعار السلام ككلمة دبلوماسية ناعمة، بل يربطه بالعدالة والحقوق والقانون الدولي. ولهذا فإن الرسالة الأردنية في الأمم المتحدة تحمل في جوهرها سؤالاً صعباً أمام العالم: إذا كان القانون الدولي لا يحمي الجميع، فما الذي يبقى من معنى القانون؟ وإذا كانت حقوق الشعوب قابلة للتأجيل، فكيف يمكن الحديث عن سلام عادل؟لقد اعتاد الأردن أن يتحدث بهدوء، لكن الهدوء الأردني لم يكن يوماً ضعفاً. كان دائماً هدوء الدولة التي تعرف وزن موقفها، وتدرك أن القوة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في ثبات المبدأ.واليوم، من على منبر الأمم المتحدة، كان جلالة الملك عبدالله الثاني يقول للعالم إن المنطقة لا تحتمل مزيداً من إدارة الأزمات، وأن الشعوب لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد تحت رحمة الحروب، وأن فلسطين لا يمكن أن تُدفن تحت ركام الأحداث، وأن القدس لا يمكن أن تُترك رهينة لمحاولات تغيير واقعها.هذه ليست مجرد كلمة ملكية.إنها رسالة دولة تقف في منطقة تعصف بها النار، لكنها لا تسمح للنار أن تعيد رسم بوصلتها.رسالة الأردن أن السلام ليس استسلاماً، وأن الاعتدال ليس ضعفاً، وأن الدبلوماسية ليست صمتاً، وأن التمسك بالحق ليس موقفاً قابلاً للتبديل كلما تغيرت موازين القوى.لم يرفع الأردن صوته في الأمم المتحدة بحثاً عن التصفيق؛ بل رفع الحقيقة ووضعها على الطاولة.وحين تكون الحقيقة فلسطين، والقدس، والعدالة، والسلام، فإنها لا تحتاج إلى ضجيج كي تهز العالم او كي تُسمع.لقد تحدث جلالة الملك عبدالله الثاني باسم الأردن، لكنه حمل معه وجع منطقة أنهكتها الحروب، ورسالة شعوب تبحث عن الأمن والكرامة والسلام.وحين تكون الحقيقة بحجم فلسطين، والقدس، وحق الشعوب، وسيادة الدول، فإنها لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمع.يكفي أن يقف الملك عبدالله الثاني، ويقولها باسم الأردن:لا سلام بلا عدالة، ولا أمن بلا حق، ولا استقرار بلا دولة فلسطينية مستقلة، ولا مستقبل لمنطقةٍ يُطلب من شعوبها أن تنسى حقوقها كي يعيش العالم بسلام.إنها كلمة دولة تعرف ثوابتها، وتعرف رسالتها، وتعرف أن السلام الحقيقي لا يُبنى على القوة وحدها، بل على الحق.
خطاب الملك صوت الحقيقة الصادح من الأردن
مدار الساعة ـ