لم يعد السؤال الذي يطرحه الأردن أمام العالم هو ما إذا كانت القضية الفلسطينية تمر بمرحلة خطرة. هذه المرحلة تجاوزناها. السؤال اليوم أكثر قسوة: هل ما زال هناك وقت لمنع تثبيت واقع سياسي وجغرافي تصبح معه الدولة الفلسطينية موجودة في القرارات الدولية، لكنها مستحيلة على الأرض؟
بهذا المعنى يجب قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. فجوهر الرسالة الأردنية لم يعد التحذير من حرب يمكن أن تتوقف، بل من واقع يمكن أن يبقى بعدها. الحروب تُقاس عادة بنتائجها العسكرية، أما الأردن فينظر إلى ما سيبقى عندما تتوقف المدافع: ماذا سيبقى من غزة؟ ماذا سيحدث في الضفة؟ ما مصير القدس؟ وهل تبقى هناك جغرافيا فلسطينية يمكن أن تقوم عليها دولة أصلاً؟ القضية لم تعد فقط صراعاً على شروط التسوية، بل صراعاً على بقاء شروط التسوية نفسها.فإذا تغيرت الأرض قبل أن تبدأ المفاوضات، تصبح المفاوضات لاحقاً تفاوضاً على نتائج فُرضت مسبقاً. وإذا أصبحت الضفة مجموعة مساحات منفصلة، وتغيرت الوقائع في القدس، واستمر الاستيطان، وتحولت غزة إلى مساحة منكوبة تحتاج سنوات لإعادة بناء الحد الأدنى من الحياة، فقد يبقى العالم متمسكاً بحل الدولتين بينما تتآكل مادته الجغرافية والسياسية أمامه.وتصبح هذه الحساسية أكبر بالنسبة للأردن في الضفة الغربية تحديداً. غزة تمثل اليوم المأساة الإنسانية الأكبر، لكن الضفة تحمل سؤالاً استراتيجياً يمس الأردن مباشرة. فكلما ضعفت إمكانية قيام دولة فلسطينية غرب النهر، عاد السؤال تلقائياً: أين ستذهب القضية الفلسطينية؟ وإذا أُغلقت إمكانية الحل على الأرض الفلسطينية، فإن الضغط لن يختفي؛ سيبحث عن اتجاه آخر، والاتجاه الجغرافي الأقرب هو الأردن.لذلك فإن الرفض الأردني المطلق للتهجير يتجاوز رفض نقل الفلسطيني من أرضه، على خطورة ذلك أخلاقياً وقانونياً. بالنسبة للأردن، التهجير يعني نقل نتائج الصراع من غرب النهر إلى شرقه، وتحويل الأردن تدريجياً من دولة تدافع عن قيام دولة فلسطينية إلى مساحة يُراد منها استيعاب نتائج غياب تلك الدولة. ولهذا يرتبط رفض التهجير عضوياً برفض الوطن البديل؛ فالمسألتان في جوهرهما رفض لفكرة واحدة: أن تُحل القضية الفلسطينية بتغيير فلسطين والأردن معاً بدلاً من إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.وتدخل القدس في صميم هذه المعادلة، ليس بوصفها قضية دينية أو رمزية فقط، بل لأنها العقدة القادرة على نقل الصراع من مساحة سياسية قابلة نظرياً للتفاوض إلى مواجهة دينية يصعب ضبط حدودها. أي تغيير جوهري في وضعها لا يبقى داخل المدينة، بل يمتد إلى الشارع العربي والإسلامي، ويزيد قدرة القوى المتطرفة على تحويل الصراع من سؤال أرض وحقوق وسيادة إلى صراع هوية وعقيدة. لذلك فإن حماية الوضع التاريخي والقانوني في القدس، بالنسبة للأردن وصاحب الوصاية الهاشمية، هي أيضاً محاولة لمنع تغيير طبيعة الصراع نفسه.لكن المسألة تتجاوز فلسطين إلى سؤال أخطر: ماذا يحدث للنظام الإقليمي عندما تصبح القوة قادرة على صناعة الشرعية؟ فإذا أصبح ممكناً تغيير الوقائع بالقوة ثم مطالبة العالم بالتعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً، فإن الخطر لا يتوقف عند الفلسطينيين. تصبح الحدود أقل حصانة، وسيادة الدول أكثر ارتباطاً بقدرتها العسكرية من ارتباطها بالقانون، ويتحول النظام الإقليمي إلى ساحة تحكمها موازين قوة متحركة بدلاً من قواعد ثابتة.وهذا نموذج شديد الخطورة بالنسبة للأردن، الذي بنى جزءاً كبيراً من قوته السياسية على الشرعية والمؤسسات والعلاقات الدولية والقدرة الدبلوماسية واحترام الحدود والقانون. لذلك فإن تراجع قيمة القانون الدولي ليس نقاشاً أكاديمياً بالنسبة إليه؛ فكلما تراجعت القاعدة لمصلحة القوة المجردة، أصبحت البيئة المحيطة بالدول المستقرة أكثر خطورة، مهما بلغت قدرتها على حماية نفسها.ولهذا يخاطب جلالة الملك المجتمع الدولي بلغته هو: القانون، والسيادة، والدولة الفلسطينية، والتهجير، والقدس، والمسؤولية الدولية. جلالته لا يطالب العالم باختراع مبادئ جديدة، بل يضعه أمام المبادئ التي أعلنها بنفسه ويسأله عملياً: هل هذه القواعد ملزمة عندما تصبح كلفة تطبيقها مرتفعة، أم أنها لا تعمل إلا عندما يكون تطبيقها سهلاً؟فالمجتمع الدولي لا يعاني نقصاً في المعرفة. يعرف موقف القانون الدولي من الاحتلال والاستيطان، ويعرف خطورة التهجير، ويعرف حدود التسوية التي ظل يتحدث عنها لعقود. المشكلة لم تعد الوصول إلى صيغة للحل، بل امتلاك الإرادة لمنع انهيار إمكانية الحل قبل الوصول إليه.ويصبح الوقت نفسه جزءاً من الصراع. ففي الدبلوماسية التقليدية، شراء الوقت قد يساعد على التهدئة. أما في الحالة الفلسطينية الحالية، فقد يعمل الوقت في الاتجاه المعاكس. كل شهر يمر مع تغير الوقائع على الأرض يمكن أن يجعل الحل الذي يتحدث عنه العالم أصعب في الشهر التالي. التأجيل لم يعد بالضرورة حياداً؛ فقد يصبح، من حيث النتيجة، عاملاً يساعد الطرف القادر على تغيير الواقع. الأردن لذلك لا يحذر فقط مما يحدث، بل مما قد يصبح غير قابل للعكس.فإذا انهارت إمكانية الدولة الفلسطينية، لن تختفي القضية الفلسطينية، بل ستتغير صورتها. سينتقل السؤال من: كيف تقوم دولتان؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: ماذا سيحدث لملايين الفلسطينيين وحقوقهم السياسية والوطنية إذا لم تعد الدولة ممكنة؟ وهذا سؤال أخطر على الفلسطينيين وإسرائيل والأردن والمنطقة كلها من السؤال الذي يؤجل العالم الإجابة عنه اليوم.لذلك فإن الدفاع الأردني عن الدولة الفلسطينية ليس موقفاً عاطفياً ولا مجرد تضامن عربي. قيام الدولة الفلسطينية مصلحة وطنية أردنية مباشرة. فهي تثبت الفلسطيني على أرضه، وتغلق باب التهجير، وتحسم أن حل القضية يقع غرب النهر لا شرقه، وتمنح المنطقة إطاراً سياسياً يمكن أن ينقلها من إدارة الصراع إلى محاولة إنهائه.وفي هذه المعادلة تظهر أهمية قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لهذا الملف. فجلالته لا يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفاً منفصلاً عن الأردن، ولا مع حماية الأردن باعتبارها نقيضاً للدفاع عن فلسطين. العكس هو الصحيح: حماية الحق الفلسطيني في دولته هي في الوقت نفسه حماية للأردن من أن يصبح بديلاً عنها. وهذه معادلة أدركها جلالة الملك مبكراً وحافظ عليها بثبات في أصعب لحظات الإقليم.وفي جوهر خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين رسالة تتجاوز اللحظة الراهنة: أن حماية حق الفلسطينيين في دولتهم هي حماية لاستقرار المنطقة وصونٌ لمصالح الأردن العليا في آن واحد. وفي مرحلة تضيق فيها مساحة السياسة وتتسارع فيها محاولات فرض الوقائع، يواصل جلالته حمل الموقف الأردني بثبات ومسؤولية؛ متمسكاً بحقوق الشعب الفلسطيني، رافضاً التهجير والوطن البديل، وحارساً لمصالح الأردن وسيادته. إنها قيادة تدرك ثقل اللحظة، وتعرف أن المواقف التي تحفظ الأوطان لا تُقاس بصخبها، بل بثباتها عندما تشتد المحن.د. يزن دخل الله حدادين محامٍ وخبير قانوني yazan.haddadin@haddadinlaw.com
ما بعد التحذير: ماذا يقول الملك للعالم؟
مدار الساعة ـ