أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المسؤول والمسؤولية بالأردن: من يخدم من..؟


راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق

المسؤول والمسؤولية بالأردن: من يخدم من..؟

راكان السعايدة
راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
مدار الساعة ـ

من حيث المبدأ، ليس هدف السؤال أن يبرئ مسؤولاً أو يتهم آخر، وإنما النظر فيما إذا كانت المنظومة، في حقيقتها، تنتج مسؤولين لخدمة الدولة أم لخدمة مصالح ضيقة، وما إذا كانت آلياتها في الاختيار تنتج إدارةً قادرةً على تحقيق الصالح العام، أم تعيد إنتاج نفسها بالآليات ذاتها؟

هذه المسألة ليست تفصيلاً صغيراً في طريقة إدارة شؤون الدولة، بل مدخل مهم للحكم على مدى العدالة في تكافؤ الفرص، وعلى كفاءة الإدارة العامة نفسها.

البديهي أنه في أي منظومة تحكمها معايير قانونية وقيم سياسية وأخلاقيات مهنية، تكون آلية إنتاج واختيار المسؤولين قائمة على الالتزام بشروط الكفاءة والقدرة والنزاهة.

وهنا بالذات، فإن تقييم مدى صدقية ذلك الالتزام وإثبات واقعيته ليس أمراً متعسراً، بل ممكن؛ فسلامة اختيار المسؤول، أي مسؤول، لا تثبت لحظة اختياره، وإنما يثبتها ما يفعله بعد وصوله إلى موقع المسؤولية. وتظهر بوضوح في أوقات الأزمات، أي أن مواقع المسؤولية في هذه الحال تصبح المختبر الفعلي لفحص سلامة ما تقوم عليه المنظومة.

بل والأهم أن أداء المسؤولين أنفسهم يحولهم، تلقائياً، إلى شهود على المنظومة التي أنتجتهم؛ فالمسؤول لا يُختبر وحده، وإنما تُختبر معه الجهة التي اختارته، والمعايير التي أوصلته إلى موقعه، وما إذا كانت تلتزم معايير الاختيار السليمة، أم تلقيها جانباً لصالح توزيع مواقع المسؤولية كمكافآت وترضيات وتنفيعات، لهذا أو ذاك، لأسباب شخصية أو اجتماعية أو مناطقية أو نفعية.

هذا النمط ليس غريباً على منظومات سياسية تميل إلى إنتاج مسؤوليها من داخل بنيتها الرسمية. ولا تبدي اهتماماً كافياً لأطر أخرى لها وزنها في توليد الكفاءات والخبرات، كالمؤسسات البرلمانية والنقابية والحزبية والبلدية والقطاع الخاص، والمجتمع المدني بعامة.

بهذا المعنى، فإن المنظومة إما أن تكون أداة لإنتاج أفضل المسؤولين، أو تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الضعف، وتدويره من موقع إلى آخر، ومن مسؤول إلى آخر.

ماذا عنا...؟

الاستنتاج أعلاه يدفع إلى المقدمة سؤالاً مهماً وكاشفاً، وهو: أيُّ الطرق تسلكها منظومتنا في اختيار المسؤولين؟ ومن يصل إلى موقع المسؤولية، وكيف يصل، ولماذا يصل؟ والسؤال هنا لا يقصُر فقط على: من يصل إلى موقع المسؤولية؟ وكيف ولماذا يصل، بل ما الذي يحدث بعد وصوله؟

في البدء، إن أجبنا بأن المنظومة تنتج الأفضل دائماً، نكون قد ظلمناها... وإن قلنا إنها تنتج الأسوأ دائماً نظلمها أيضاً. هي، عملياً، تُراوح بين الطريقين، لكنهما ليسا متساويين في الطول والاتساع.

فكثير ممن يصلون إلى مواقع المسؤولية يسلكون مساراً لا يقوم على معايير الكفاءة والنزاهة كأساس، وهؤلاء تكون طريقهم أسهل وأسرع، أما القلة فعادة ما تكون طريقها شاقة وصعبة، لكن بعضها يصل، إما لحاجة وظيفية أو سياسية، أو لإثبات أن المنظومة تلتزم العمل بعدالة لا بانتقائية.

لكن، برأيي، الواقع، على ما هو عليه، يصعب تجميله مهما حاولنا، فاختلالاته لا تخطئها العين، ومأزقه يستدعي الاعتراف بحقيقة أن اختيار المسؤولين، في أغلب الأحوال، يبدو محصوراً داخل طبقة المنظومة نفسها، ولا يغادرها إلا نادراً.

وكأن المنظومة اكتفت بنفسها عن سواها، وبقواعد وشروط حددتها سلفاً، أكان لجهة اختيار المسؤولين الذين تريدهم أن يكونوا جزءاً من بنيتها، أو لجهة تدوير المواقع بين مسؤولي ذات الطبقة، مع أن هذه المواقع أحياناً لا تشبه بعضها، لا في المسؤوليات، ولا في المهمات والأهداف.

وربما هذا ما يُراكم انطباعاً سلبياً عند الناس، لقناعتهم أن اختيار المسؤولين لا يتم وفقاً لمعايير الأهلية، كأولوية، وإنما لأسباب قد تتصل بدائرة المعارف، أو العلاقات الشخصية، أو الاسترضاء، أو ضمان الولاء، أو الالتزام بالمهمات، أو لإعطاء انطباع للخارج عن حداثة وتطور المنظومة.

المفارقة أنه عندما تختار هذه المنظومة، من خارجها، كفاءات وخبرات لشغل بعض مفاصل بنيتها، فإنها تفعل ذلك في سياق شروط وقيود حساباتها، لا وفقاً لمتطلبات موقع المسؤولية ذاته، وهو ما يؤدي، عند تصادم المسؤول بالمنظومة، إما إلى انسحاب هذا المسؤول من موقعه أو إقصائه عنه.

وهذا وجه آخر للخلل، يتعاظم عندما تعتمد المنظومة نهجين في اختيار المسؤولين: نهج التعيين المباشر لإشغال مواقع المسؤولية، وهو السائد، ونهج إشغال مواقع منتقاة بمسابقات تنافسية، وأحياناً يُشغل الموقع نفسه مرة بالتعيين ومرة بالتنافس، من دون تفسير واضح ومقنع لمعيار الاختيار.

ما النتيجة...؟

يقول الواقع إن أداء المنظومة، بسبب اختياراتها، ما يزال دون مستوى الكفاءة المطلوبة؛ فلا هي تُراكم إنجازات كبيرة وملموسة، ولا هي تعالج المشكلات المزمنة بصورة فارقة، لا في جانب الخدمات العامة، ولا في جانب الاقتصاد الذي يعاني اختلالاً هيكلياً.

من هنا، فإن الحكم على سلامة الاختيار لا يكون فقط من لحظة التعيين، وإنما بما ينتجه المسؤول بعد ذلك.

وحتى سياسياً، تبدو بعض ممارسات المنظومة في المجال العام أقرب إلى الحفاظ على نفوذها وامتيازاتها، بما يقلل الضغوط التي قد تدفعها إلى تغيير منهجيتها.

وإذا استمر هذا النمط، فإن الانطباع الذي يتشكل ويتراكم يصبح أكثر وضوحاً: أن المنظومة تدير بقاءها، ولا تدير مسؤولياتها؛ أي أنها تنشغل بإدامة وجودها ونفوذها أكثر من توظيف هذا الوجود للصالح العام.

وبالنتيجة، فإن تراكم الانطباعات السلبية يؤشر إلى اتساع فجوة الثقة بالمنظومة، وبقدرتها على التصدي للأزمات الكبيرة ومعالجة المشكلات البسيطة، وأنها، في المحصلة، تراوح مكانها، مكتفية بالحلول التسكينية.

ما الحل..؟

ببساطة، يبدأ الحل من مراجعة المعايير التقليدية التي تحكم اختيار المسؤولين، بحيث يتولى المسؤوليات العامة في البلد من هو أكفأ وأقدر وأنزه، أكان رئيساً لحكومة أو وزيراً أو أميناً عاماً أو رئيساً لهيئة أو رئيساً لمجلس إدارة أو مستشاراً كبيراً، أي الطبقة كلها لا بد أن تراجع معايير وأسس اختيارها.

كذلك، أن تستفيد الدولة من الأطر البرلمانية والنقابية والحزبية، ومن كل إطار آخر يمكن أن ينتج قيادات ومسؤولين للاشتغال بالعمل العام.

كذلك، أن تتيح المنظومة فرصاً حقيقية للكفاءات والخبرات الموجودة، أصلاً، في بنيتها كي تأخذ حقها بالتدرج في المواقع القيادية وتولي المسؤوليات.

والأهم أن يصبح الوصول إلى مواقع المسؤولية ممكناً عبر مسارات متعددة ومفتوحة، لا عبر مسار واحد مغلق، وأن يصبح الأصل هو المنافسة على المسؤولية لا القرب من دوائرها، وأن يرتبط التدرج الوظيفي والقيادي فيها بالكفاءة والخبرة والأداء، لا بالقرب من المنظومة وحدها.

فالأردن لا يعاني نقصاً في الكفاءات والخبرات القادرة على حمل المسؤولية، لكن الواقع يكشف عن نقص في قدرة المنظومة على تطوير مسارها لتكون أكثر عدلاً، وأكثر حرصاً على منح الفرص لمن يخدم الصالح العام، لا لمن يملك مفتاحاً في المنظومة.

في النهاية، المسألة في جوهرها ليست الاختيار بين شخص وآخر، بل بين منظومتين: منظومة تختار المسؤول لأنه الأقدر، ومنظومة تختاره لأنه الأقرب، الأولى تُنتج مؤسسات، والأخرى تُنتج شبكات فيها من يديرون مواقعهم لا مسؤولياتهم.. والسؤال الملح اليوم: أيُّ المنظومتين نريد..؟

مدار الساعة ـ