ليست المرة الأولى التي يخرج فيها العلماء والخبراء ليحذروا من النهاية المحتملة للبشرية على يد الذكاء الاصطناعي.
فقد بدأ الأمر قبل أكثر من عقد من الزمن عندما حذر العالم البريطاني الراحل، ستيفن هوكينغ، من التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي على الجنس البشري، نظرا لقدرته على تطوير خصائص مستقلة متقدمة قد ينتقل على أثرها، بحسب مختصين، من مرحلة Artificial Intelligence إلى مرحلة Artificial Superintelligence، ما قد يمكنه من إعادة تصميم نفسه بشكل مستقل وذاتي، وبالتالي الخروج عن السيطرة الإنسانية، وقد يوجه قدراته الخارقة وقتها للتخلص ممن صنعه! واليوم تتجدد المسألة نفسها على أيدي عقول متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ومنهم مؤخرا كبير علماء شركة OpenAI، جاكوب باتشوكي، الذي طلب صراحة "توخي أقصى درجات الحذر مع اقتراب أنظمة الذكاء الاصطناعي من القدرة على تطوير نفسها دون تدخل بشري". ومن ذلك أيضا تحذير الخبير المتخصص في سلامة الذكاء الاصطناعي لدى شركة أنثروبيك التكنولوجية العملاقة، إيفان هوبينغر، بالقول "إنه يقدّر شخصيا وبأكثر من 10 % احتمال أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في قتل جميع البشر خلال العقد المقبل". بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك، ومنهم رئيس معهد أبحاث ذكاء الآلة (MIRI)، نيت سواريس، الذي يرى "أن القضاء على البشرية هو النتيجة الأكثر ترجيحا إذا ظهر ذكاء اصطناعي يتفوّق على البشر".كل هذه التصريحات وغيرها تقودنا إلى حقيقة واحدة، وهي أننا قد نفقد السيطرة على أنظمة وجدت في الأساس لخدمة الإنسانية.لكن الخطر الحقيقي، في رأيي، لا يكمن في الذكاء الاصطناعي، فالبشر قادرون، في نهاية المطاف، وإن توفرت الإرادة الحقيقية، على تطوير معايير سلامة مشتركة بين شركات الذكاء الاصطناعي، ووضع أنظمة وقوانين عالمية ملزمة تحد من صلاحيات الذكاء الاصطناعي ليبقى تحت السيطرة البشرية.بل في الخبث البشري الذي قد يستغل الذكاء الاصطناعي، خصوصا في ظل سباق محموم وأجندات مشبوهة لتطويع أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحقيق أطماع الدول، لا سيما المارقة منها، والأخطر الجماعات الخارجة على القانون وقراصنتهم، للسيطرة على موارد الأرض وشعوبها. وهذا يشمل القدرات العسكرية، والتهديدات السيبرانية لزعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدول، والهجمات البيولوجية، وتوليد الفيروسات، وتعطيل سلاسل التوريد، وحتى التحكم بأنظمة المناخ وإنتاج الغذاء، واختراق أنظمة الصحة العامة والبنية التحتية، وغير ذلك الكثير.أما الحديث عن تمرد الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات، فما زلت أراه خيالا علميا كالذي نشهده في أفلام هوليوود. فالآلة لا تتمرد لوحدها، إلا إذا وقف خلفها خبث وشر بشري. وهذا ما على البشر العمل على كبحه عبر تشريعات دولية صارمة، ولوائح تنظيمية، وإجراءات حماية ملزمة، وآليات حوكمة، وأنظمة مراقبة، وإنذار مبكر، وتدقيق، ومساءلة لجميع عمالقة التكنولوجيا. ولنا في أنظمة حماية المنشآت النووية الحساسة مثالا، حيث تخضع عادة لمعايير أمنية مشددة، وتحصينات هندسية فائقة بيد البشر وحدهم.يبقى الذكاء الاصطناعي في النهاية آلة بيد الإنسان. وهو وحده من يستطيع تسخيرها للخير أو الشر، لتكون القيم الأخلاقية البشرية السليمة مربط الفرس إذا ما قرر البشر دمجها وترميزها محركا لعقل الذكاء الاصطناعي والروبوتات. أم خلاف ذلك، فيعني أن البشرية تقامر بمستقبلها، ووقتها لن نملك الوقت لنقول: وداعا للبشرية!