منذُ ثمانينيات القرن الماضي شهدت المنطقة العربية ظهور جماعات ذات طابع ديني طائفي تُنازع الدول مسؤولياتها وصلاحياتها بل وتنافسها في قرار السلم والحرب وتقتني من السلاح ما قد يفوق السلاح الذي يقتنيه الجيش الوطني في هذه الدول، وقد بدأت هذه الظاهرة مع ظهور حزب الله اللبناني في عام 1982 حيث نمت قوته تدريجياً بحيث طغت على قوة الدولة من الناحية العسكرية، وقد خاض هذا الحزب معركة شرسة مع إسرائيل في عام 2006، وبادر إلى ما سماه حرب الإسناد (المقصود لحماس في قطاع غزة) في الثامن من أكتوبر2023.
وفي عام 2003 وبعد الغزو الأمريكي وسقوط النظام السياسي العراقي ظهرت بعض الجماعات المسلحة (حزب الله، حركة النجباء، سيد الشهداء) ضمن المقاومة العراقية للوجود الأمريكي، ولكنها نمت بشكل لافت بعد 2014 بالتوازي مع بروز خطر داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) واستيلائه على ثلاث محافظات عراقية، وقد رفضت هذه الجماعات المسلحة بعد هزيمة داعش إلقاء سلاحها بل وجاهرت بأنها تتبع المرشد الأعلى الإيراني، وأنّ ولاءَها للمذهب (الاثنا عشرية الإمامية) الشيعي، وليس للدولة العراقية. وفي اليمن وبين عامي 2004 و2014 خاضت حركة أنصار الله الحوثيين (نسبةً إلى بدر الدين الحوثي مؤسس الجماعة) ست معارك ضد نظام علي عبدالله صالح، واستطاعت في النهاية السيطرة على العاصمة صنعاء، فضلاً عن محافظات عديدة في شمال وغرب اليمن (تضم أكثر من 70% من السكان) تاركةً للحكومة اليمنية الشرعية المُعترف بها دولياً معظم مناطق الجنوب اليمني وعاصمته عدن (أكثر من 80% من الأراضي اليمنية). إنّ من الملاحظ أن ديناميكية الصراع بين هذه الجماعات والدول الحاكمة فيها قد تغيرت في الفترة الأخيرة، ومن الواضح أنّ معظمها أصبح تحت الحصار فعلياً وربما تخوض معركتها الأخيرة مع دولها، ولعلّ أهم هذه المؤشرات: أولاً: أنّ الدول في لبنان والعراق واليمن أعلنت أنها بصدد تنفيذ مبدأ "حصرية السلاح" بيد الدولة، وأنّ الدولة والدولة وحدها هي صاحبة الحق في إعلان السلم والحرب باسم دولها، والمُتابع للشأن اللبناني مثلاً يلاحظ أنّ الحكومة اللبنانية اعتبرت أنّ سلاح حزب الله هو "غير شرعي"، وهي تتفاوض الآن مع إسرائيل برعاية أمريكية رغماً عن معارضة حزب الله ورفضه لهذه المفاوضات، وفي العراق أعلنت حكومة "علي الزيدي" أنها بصدد سحب السلاح من جميع الجماعات التي تحمله مع نهاية شهر سبتمبر الجاري حيث ستكمل قوات التحالف الدولي انسحابها من العراق، وفي اليمن تنشب الآن معركة كبيرة بين القوات اليمنية الشرعية وبين قوات الحوثيين على أساس أنّ الحوثيين "ميليشيا" غير شرعية وأنه لا بدّ من استعادة العاصمة صنعاء من أيديها. والواقع أنّ الصدام الذي بدأ منذ أسبوعين تقريباً بين قوات أنصار الله الحوثيين وقوات الشرعية اليمنية تمخض عن نتائج مذهلة فقد تمكّن الحوثيون من الاستيلاء على معظم الساحل الغربي اليمني المواجه للبحر الأحمر بما في ذلك الجزر المهمة (وبالذات جزيرة ميون) الاستراتيجية التي تتحكم بمضيق باب المندب، وبغض النظر عن تطورات الوضع اليمني الذي يصعب التنبؤ بمآلاته فإنّ الحوثيين يظلون "جماعة" في مقابل "دولة"، ولذا فإنّ التحليل الوارد في هذه المقالة قد ينطبق عليهم كما ينطبق على غيرهم من الجماعات.ثانياً: أنّ "الحواضن" الشعبية لهذه الجماعات قد تقلصت نسبياً، ونمت معارضة جماهيرية كبيرة ضد تسلح هذه الجماعات وتحديها لسلطة الدولة الشرعية. إن هذا واضح تماماً في جميع البلدان الثلاثة (لبنان، العراق، اليمن). صحيح أنه لا تتوفر بيانات دقيقة عن التوجه الشعبي في هذه الدول، ولكن المعلومات من المصادر المستقلة تشير بوضوح إلى أن الأغلبية من مواطني هذه الدول هي مع استعادة الدولة لسلطتها والسماح لهذه الجماعات بالتحول إلى أحزاب سياسية تمارس حقها في التعبير عن رأيها بحرية.ثالثاً: أنّ معظم الدول في المنطقة العربية هي مع تجريد هذه الجماعات من سلاحها وتطبيق مبدأ "حصرية السلاح" بيد الدولة حيث تضررت دول المنطقة بشكل عام من هذه الجماعات فقد تضررت سوريا كثيراً من نصرة حزب الله اللبناني للنظام السوري السابق، وتضرر جيران العراق من الهجمات المتكررة التي شنتها بعض الجماعات المسلحة العراقية (الولائية) المناصرة لإيران عليها وإلى درجة أنّ السعودية اضطرت إلى الرد على هذه الجماعات من خلال مهاجمة مواقعها داخل العراق (قبل المرة الأخيرة التي حدثت قبل أيام، وآثرت فيه السعودية عدم الرد)، وغني عن القول أن بعض هذه الجماعات العراقية قصفت سوريا، وتهدّد الأردن بشكل صارخ ومتكرر.رابعاً: أنّ دول العالم أجمع أصبحت مُعبأة ضد هذه الجماعات لما لوجودها من تبعات سلبية ليس فقط على دولها بل على دول العالم أجمع وبخاصة في اليمن حين حاولت جماعة الحوثي ضرب التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب وفي البحر الأحمر حيث تعبر نسبة كبيرة من الطاقة العالمية. إنّ ظهور جماعات مسلحة في أيّ بلد هو مشكلة ليس للبلد الذي تظهر فيه فقط بل للدول الأخرى، وبخاصة أنه لا يمكن محاسبة هذه الجماعات لأنها ليست دولاً في الأصل. خامساً: أنّ الداعم الرئيسي لهذه الجماعات في المنطقة العربية هو إيران، وهو بلد تعرض للضرب بقوة من الولايات المتحدة وإسرائيل وهو يقع تحت الحصار فعلياً الآن (عسكرياً واقتصادياً)، وعليه فإنّ هذا الداعم الكبير لهذه الجماعات لم يعد بإمكانه تقديم المساعدة والإسناد كما كان عليه الحال سابقاً. إنّ هذه الفرصة الحالية قد تكون هي الفرصة الذهبية للدول التي تتواجد فيها هذه الجماعات لكي تتخلص من هذه الظاهرة إن سلماً وبالتفاهم والإقناع (حيث تتحول هذه الجماعات إلى أحزاب سياسية لها الحق في العمل السياسي والتعبير الحر) وإن حرباً حيث إنّ من واجب الدولة -أية دولة- أن تحتكر السلاح، وأن تأخذ بيدها قرار السلم والحرب فهذه مبادئ لا يمكن أن تتنازل عنها الدول إذا أرادت أن تستحق تسميتها بدول!الصراع المُنتظر بين 'الجماعات' و'الدول' في المنطقة العربية!
مدار الساعة ـ