أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لا تجعلوا العزاء مائدةً فوق وجعٍ لم يجف


د. مريم علي اليماني
كاتبة وباحثة في الفلسفة العملية

لا تجعلوا العزاء مائدةً فوق وجعٍ لم يجف

د. مريم علي  اليماني
د. مريم علي اليماني
كاتبة وباحثة في الفلسفة العملية
مدار الساعة ـ

في بعض العادات، لا نحتاج إلى أن نسأل: هل اعتدناها؟

بل علينا أن نسأل: هل ما زالت تليق بالإنسان؟

لأن العادة، مهما طال عمرها، ليست مقدسة، والكرم الذي يتحول إلى مشقة على صاحب المصاب يفقد شيئًا من معناه.

أقول هذا بعد موقف لا يزال عالقًا في ذاكرتي بعد قراءت مقال

يقول الكاتب؛

(توفي رجل، ودُفن، ولم تمضِ ساعات على دفنه.

كان ابنه يعيش اللحظات الأولى للفقد؛ تلك اللحظات التي يكون فيها الإنسان واقفًا بين التصديق والتكذيب، بين صدمة الرحيل ومحاولة استيعاب أن وجهًا كان بالأمس بيننا أصبح تحت التراب.

ومع ذلك...

كان يقف أمام الناس يحمل إبريق الجميد.

لم يكن يجلس بينهم كصاحب مصيبة.

كان يخدمهم.

يمرّ على الحاضرين، يزيد هذا، ويقدم لذاك، وكأن شيئًا لم يحدث.

ثم سقطت دمعة.

لم تسقط على الأرض.

سقطت في الجميد.

وهنا لم يستطع أحد الحاضرين أن يكمل طعامه.

ترك اللقمة، وغادر المكان، وهو يقول:

«عيب عليّ إن بعيدها.»)

أيُّ وجعٍ يمكن أن تختصره دمعة واحدة؟

لقد رأى في تلك الدمعة ما لم تره المائدة.

رأى ابنًا دفن أباه قبل ساعات، ثم وقف ليطعم الناس.

رأى قلبًا ينزف، ويدًا منشغلة بخدمة الآخرين.

رأى إنسانًا كان الأولى أن يجد من يمسك بيده، فإذا به يحمل إبريقًا بيده.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.

متى أصبح أهل الميت مطالبين بإكرام الناس في أكثر ساعات حياتهم انكسارًا؟

متى صار من الطبيعي أن نقف أمام بيت العزاء ونحن ننتظر الطعام، بينما أهل البيت هم أولى الناس بأن نقدم لهم الطعام؟

ومتى أصبح من واجب من فقد عزيزًا أن يخفي حزنه، ويستقبل الناس، ويقدم القهوة، ويشرف على المائدة، وربما يعتذر إن لم يكن كل شيء على المستوى الذي يرضي الضيوف؟

يا سادة...

الميت مات، وأهله ما زالوا يعيشون صدمة الموت.

فلا تضيفوا إلى موتهم إرهاقًا.

ليس المطلوب أن نتخلى عن كرمنا، ولا أن ننسى عاداتنا الجميلة، ولكن المطلوب أن نفهم جوهر الكرم.

الكرم في العزاء ليس أن يأكل المعزّي من طعام أهل الميت.

الكرم أن يطعم المعزّي أهل الميت.

ليس أن يتركهم يقفون لخدمته.

بل أن يقول لهم:

اجلسوا... اليوم نحن نخدمكم.

ليس أن نشغلهم بالمطبخ والمائدة.

بل أن نمنحهم فرصة ليجلسوا مع فقيدهم في ذاكرتهم، ويتركوا لدموعهم حقها الطبيعي.

لقد بالغنا أحيانًا في تحويل العزاء إلى مناسبة اجتماعية، حتى نسينا أنه في الأصل مواساة لإنسان منكسر.

والمواساة ليست طعامًا فقط.

المواساة موقف.

والمواساة رحمة.

والمواساة أن تشعر بما لا يقوله أهل الميت.

أن تعرف أن الأم التي تقدم لك القهوة ربما لم تنم منذ ليلة.

وأن الابن الذي يبتسم في وجهك ربما لم يستوعب بعد أن أباه لن يعود.

وأن الأخ الذي يسأل الضيوف عن راحتهم ربما يحتاج هو نفسه إلى من يسأله:

«كيف قلبك؟»

هذه الجملة أحيانًا أثمن من مائدة كاملة.

ولست أدعو إلى محاربة المنسف، ولا إلى كسر تقاليدنا، ولا إلى محاكمة الناس على نياتهم.

أنا أدعو فقط إلى أن نعيد للرحمة مكانها قبل العادة.

إذا أردنا الطعام، فليأتِ من الأقارب والجيران والأصدقاء.

إذا أردنا أن نكرم أهل الميت، فلنخفف عنهم.

إذا أردنا أن نقف معهم، فلنقف فعلًا.

ولا تجعلوا ابن الميت يحمل إبريق الجميد، بينما يحمل في داخله أبًا لن يعود.

دعوا يديه لدموعه.

دعوه يحزن.

دعوه يبكي.

دعوه يجلس.

دعوه يستوعب غياب أبيه.

فالحزن ليس عيبًا، والبكاء ليس تقصيرًا، والصمت في حضرة الموت ليس قلة كرم.

وأخشى أن يأتي يوم يصبح فيه السؤال عن نوع الطعام أهم من السؤال عن حال أهل الميت.

عندها نكون قد حفظنا شكل العزاء، وأضعنا روحه.

ولذلك، كلما تذكرت تلك الدمعة التي سبقت الجميد، شعرت أن في المشهد رسالة أكبر من مجرد موقف عابر:

لا تجعلوا العزاء مائدةً فوق وجعٍ لم يجف.

فالمنسف يمكن أن ينتظر.

والجميد يمكن أن يُزاد في يوم آخر.

أما دمعة ابن فقد أباه، فلا ينبغي أن نكون نحن السبب في أن يخفيها.

رحم الله موتانا، وجبر قلوب أهلهم، وجعل عزاءنا رحمةً ومواساةً وجبر خاطر، لا عبئًا جديدًا على من أثقلهم الفقد.

مدار الساعة ـ