أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قمرة قيادة لا وجود لها.. كيف غير فنان محروم من الطيران قواعد التمويه الجوي؟

مدار الساعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,القوات الجوية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -بسبب حساسية من البيض، حُرم كيث فيريس من حلمه بقيادة طائرة عسكرية، لكنه لم يبتعد عن عالم الطيران، وبعد عقود قضاها داخل المقاتلات كفنان ومراقب، ابتكر فكرة تمويه غير مألوفة وهي قمرة قيادة مرسومة على أسفل الطائرة لإرباك الطيار المعادي في لحظة حاسمة.

قد تبدو للوهلة الأولى قمرة قيادة حقيقية، لكنها ليست كذلك، فأسفل بعض الطائرات المقاتلة ظهرت صورة تشبه قمرة القيادة تماما، مرسومة بالطلاء على جسم الطائرة، لا زجاج فيها، ولا طيار، ولا فتحة في هيكل الطائرة، إنها مجرد خدعة بصرية صُممت لخداع العين خلال واحدة من أخطر لحظات القتال الجوي.

وراء هذه الفكرة يقف كيث فيريس، فنان الطيران الأمريكي الذي تحولت لوحاته وأفكاره إلى جزء من تاريخ التمويه العسكري.

حلم الطيران انتهى بسبب البيض

وُلد فيريس عام 1929 في هونولولو، ونشأ في عائلة مرتبطة بالطيران العسكري، وكان والده ضابطا في سلاح الجو التابع للجيش الأمريكي.

في العاشرة من عمره، خاض أول رحلة جوية على متن طائرة Douglas B-18A، وبعد سنوات التحق بجامعة تكساس إيه آند إم لدراسة هندسة الطيران، وانضم إلى برنامج تدريب ضباط الاحتياط في القوات الجوية، على أمل أن يصبح طيارا، لكن الفحص الطبي حمل له خبرا غير متوقع.

فقد كان يعاني من حساسية تجاه البيض، ما منعه من تلقي اللقاحات المطلوبة للالتحاق ببرنامج تدريب الطيارين، لتنتهي بذلك فرصته في تحقيق حلمه. لكن فيريس لم يترك الطيران، فبدلا من قيادة الطائرات، بدأ برسمها.

من كراسة الرسم إلى قمرة المقاتلة

عمل فيريس في مجال الرسوم الخاصة بالطائرات والمواد التدريبية للقوات الجوية، قبل أن يبدأ العمل بشكل مستقل في صناعة الطيران والفضاء، ومع مرور الوقت، أصبح ضيفا متكررا على الطائرات العسكرية ضمن برنامج الفنون التابع للقوات الجوية الأمريكية.

طار فيريس على متن عدد كبير من القاذفات والمقاتلات وطائرات التدريب، وشارك عام 1963 في رحلة تدريبية مع فريق الاستعراض الجوي Thunderbirds على متن مقاتلة F-100 Super Sabre. وبحلول نهاية مسيرته، كان قد جمع نحو 300 ساعة طيران على متن مقاتلات نفاثة.

هذه التجربة منحته فرصة لمراقبة القتال الجوي من زاوية مختلفة، ليس كطيار، وإنما كفنان يدرس الطريقة التي ترى بها العين شكل الطائرة وحركتها.

خدعة بصرية في جزء من الثانية

في القتال الجوي القريب، قد تتقارب طائرتان بسرعة هائلة، ولا يملك الطيار سوى لحظات لتحديد اتجاه خصمه وما إذا كان يقترب منه أو يبتعد، هنا ظهرت فكرة فيريس، ماذا لو بدا الجزء السفلي من الطائرة وكأنه الجزء العلوي؟

رسم فيريس قمرة قيادة وهمية على أسفل الطائرة، بهدف خلق ارتباك بصري للحظات لدى الطيار المعادي.

لم يكن الهدف أن يصدق الطيار أن القمرة حقيقية لعدة ثوانٍ، بل أن يتردد أو يخطئ في قراءة اتجاه الطائرة خلال اللحظة التي يمكن أن تحسم فيها المواجهة.

الفكرة امتدت إلى أنظمة تمويه أخرى استخدمت درجات مختلفة من الرمادي وأنماطا متقطعة لتفكيك شكل الطائرة وجعل اكتشافها وتحديد اتجاهها أكثر صعوبة.

هل نجحت فعلا؟

لا توجد إجابة بسيطة. فالقمرة المرسومة لن تخدع طيارا لديه الوقت الكافي لفحصها عن قرب، لكن الاختبارات على أنظمة تمويه فيريس أشارت إلى أنها يمكن أن تقلل المسافة التي تُكتشف عندها الطائرة بصريا، وتجعل تحديد اتجاهها أكثر صعوبة.

وهكذا لم يكن الطلاء مجرد زينة، بل محاولة لاستغلال جزء من الثانية في معركة تعتمد على سرعة القرار.

استخدمت أفكار فيريس على طائرات عسكرية عدة، من بينها F-14 وF-4، كما ظهرت القمرة الزائفة على طائرات A-10 وCF-18 الكندية.

وخلال مسيرته، قدم فيريس 62 لوحة رئيسية للقوات الجوية الأمريكية، وحصل على عدة براءات اختراع مرتبطة بالتمويه.

لقد حُرم من أن يصبح طيارا، لكنه أمضى حياته يدرس الطائرات من الداخل والخارج، وانتهى به الأمر إلى ابتكار واحدة من أكثر حيل التمويه البصري غرابة في تاريخ الطيران العسكري: قمرة قيادة لا وجود لها، لكنها صُممت لتجعل خصما حقيقيا يتردد للحظة.


مدار الساعة ـ