مدار الساعة - محمد الطراونة- بين أروقة حديقة للحيوانات المحنطة في العاصمة الأردنية عمّان، يقف الدكتور إياد الخريشا أمام مجموعة من الحيوانات التي عاشت معه سنوات طويلة، قبل أن يحولها التحنيط بعد نفوقها إلى ذاكرة حاضرة في المكان.
بالنسبة إليه، لا تمثل هذه الحيوانات مجرد معروضات يتوقف أمامها الزوار، بل حكايات شخصية ارتبط بعضها بظروف قاسية، وأخرى بعلاقات إنسانية نسجها معها على مدار سنوات.وتضم الحديقة آلاف الحيوانات المحنطة، تتنوع بين الثدييات والزواحف والأسماك، في مجموعة لافتة جذبت اهتمام الزوار، خصوصا أن مشاهدة هذا العدد والتنوع من الحيوانات المحنطة في مكان واحد تمثل تجربة نادرة وغير مألوفة بالنسبة إلى كثيرين.إياد، مالك الحديقة، ينظر إلى التحنيط بوصفه رسالة تتجاوز فكرة الاحتفاظ بجسد الحيوان بعد موته، ويقول إن "التحنيط ثقافة قديمة أحييناها في هذا الزمن "، موضحا أن الناس اعتادوا دفن ما يفقدونه من حيوانات عزيزة عليهم، لكنه اختار طريقا مختلفا، انطلاقا من قناعته بأن "كل شيء ينبض بالحياة عزيز ".ويقر بأن الفكرة قد تثير استغراب البعض، لكنه يرى في التحنيط وسيلة للحفاظ على جمال الحيوانات وذكراها، وتحويلها إلى مساحة تتيح للناس التعرف إليها وتأمل تفاصيلها بعد رحيلها.وتخضع الحيوانات لعملية تحنيط وفق طريقة خاصة، يشرف عليها خبراء متخصصون، بهدف الحفاظ على ملامح الحيوان وتفاصيله قدر الإمكان، بحيث يبدو للزائر قريبا من هيئته الطبيعية قبل نفوقه.
كورونا.. أيام قاسيةويستعيد إياد واحدة من أصعب الفترات التي مرت على الحديقة خلال جائحة كورونا، حين فرضت القيود على الحركة وأصبح توفير الأعلاف للحيوانات مهمة شديدة الصعوبة.ويقول إن المياه كانت متوفرة، لكن الأعلاف أصبحت شبه معدومة، ولم يكن بمقدوره مغادرة منزله بسهولة للوصول إلى المستودعات التي اعتاد شراء الطعام منها قبل الجائحة.
ويضيف أنه حاول ثلاث مرات الوصول إلى أماكن بيع الأعلاف بعد ترتيب مسبق مع أصحابها لفتح المستودعات، إلا أن قوات الأمن كانت توقفه في الطريق لعدم امتلاكه تصريحا يتيح له الحركة خلال فترة تطبيق أوامر الدفاع، لتنتهي محاولاته، بحسب روايته، بالتوقيف في سجن ماركا.ويقول إنه حاول في كل مرة شرح طبيعة مهمته، وأن خروجه كان بهدف إنقاذ الحيوانات وتأمين الطعام لها، لكنه لم يتمكن من الحصول على التصريح رغم تقديمه الطلب إلكترونيا قبل ذلك.كانت التجربة شديدة القسوة بالنسبة إلى رجل أمضى، وفق قوله، 42 عاما من حياته في الولايات المتحدة، وعمل في المجال الأكاديمي مدرسا للفيزياء وفي الأبحاث، قبل أن يجد نفسه عاجزا عن الوصول إلى حيوانات يعتبر الحفاظ على حياتها مسؤولية شخصية.
"فرح ".. الحكاية الأكثر وجعالكن بين جميع الحيوانات التي يحتفظ إياد بذكراها، تبقى "فرح " الأقرب إلى قلبه.كانت "فرح " من خيول البوني الصغيرة، ويصفها بأنها كانت مصدر بهجة للحديقة وزوارها. وحين وضعت مولودها، تحولت ولادته إلى مناسبة احتفى بها إياد عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تفاعل واسع من المتابعين، لكن الفرحة لم تدم طويلا.يروي إياد أن مولود "فرح "، وكان عمره بين خمسة وسبعة أيام، تعرض لهجوم من مجموعة من الجرذان التي اقتربت من الحبل السري في محاولة للتغذي على الدم. حاولت الأم الدفاع عن صغيرها، وبدأت ترفس بأقدامها الخلفية، لكنها تسببت، من دون قصد، في موته.كانت الحادثة، وفق روايته، نقطة تحول في حياة "فرح ". ويقول إنها دخلت بعدها في حالة من الإجهاد والحزن الشديد استمرت نحو ثلاثة أسابيع، حاول خلالها العاملون في الحديقة إنقاذها، ووضعوها على المحاليل والمغذيات الوريدية بصورة متواصلة، لكنها فارقت الحياة في النهاية حزنا على مولودها الذي قُتل بالخطأ.ويتذكر أنها كانت تشارك في حفلات أعياد الميلاد، وتذهب لمواساة الأطفال من أصحاب الهمم الذين يعانون صعوبات في الحركة، مؤكدا أنها كانت تلبي تلك المهام كلما طُلبت.ويقول بصوت يحمل الكثير من الحنين: "والله الذي عزّ عليّ أكثر هي فرح "، مضيفا أنه لا يدخل إلى المكان من دون أن يلقي عليها التحية ويقبلها على جبينها، حتى بعد تحنيطها، ويصف علاقته بها قائلا: "هي بمثابة بنت من بناتي ".
مكان نادر يلفت الزوارويقول إياد إن الحديقة باتت تستقطب زوارا من داخل الأردن وخارجه، من عرب وأجانب، للاطلاع على الحيوانات المحنطة ومشاهدة تفاصيلها عن قرب.ولا تتوقف محتويات المكان عند الحيوانات المحنطة، إذ يشير إلى وجود مجارٍ مائية وأنهار وشلالات تضم مجموعات من الأسماك النهرية، معتبرا أن هذه العناصر مجتمعة تشكل جزءا من التجربة الجمالية التي يريد تقديمها للزوار.ولذلك، يحرص على أن يزور القادمون إلى الحديقة قسم التحنيط، إذ يعتبره قلب المكان والجزء الذي تختصر فيه رسالته.وبين عشرات الأنواع ومئات الحيوانات، تبقى لكل قطعة حكايتها؛ حيوان عاش في المكان، وآخر ارتبط بذكرى، وثالث أصبح بعد نفوقه جزءا من مجموعة تستوقف الزوار وتثير فضولهم.











