خلال سفرنا، أكثر سؤال نتعرض له من الأشقاء العرب والأصدقاء الأجانب، يتعلق بأسباب نجاة الأردن رغم كل أزمات الإقليم.
أحيانا تشعر بكيد سياسي من بعض الأشقاء، وكأن من أمامك يقول لك لستم أحسن منا وسيلحقكم الدور عاجلا أم آجلا، وبعضهم يقول لك إن دولا أكبر وأقوى من الأردن سقطت، فلماذا ستنجون وحدكم، وسط هذا الإقليم الذي يحترق؟ربما يتفهم المرء مشاعر الغيظ لديهم، لكن عليهم أن يفهموا أن هناك عوامل موضوعية عززت بقاء الأردن، وليست مجرد مشاعر وعواطف، رغم كل الأزمات الضاغطة على الإقليم والمنطقة ودولها، وهناك إدراك شعبي عام أن بقاء الأردن مهم للكل.من أسباب نجاة الأردن إجماع الأردنيين على أن يبقى البلد عامرا، وألا يضيعوه رغم كل الظروف الاقتصادية الصعبة، والمآخذ على بعضنا وعلى الإدارات العامة، إلا أن من أهم العوامل، أيضا، وجود مؤسسة مستقرة، لها تقاليدها وامتدادها الاجتماعي، خصوصا مؤسسة الحكم التي تميزت بعدم وجود دم بينها وبين الناس، وعدم سلطويتها، وقربها من الملفات الأبرز، واشتباكها بكل ما يجري، وعدم وجود انقسام شعبي بحقها.أمس، وبعد مغادرة الملك مسافرا، حضر ولي العهد جانبا من جلسة مجلس الوزراء، بعد سنوات من متابعته لتفاصيل المشهد الداخلي، وقد وجه لتعزيز أولويات الناس، وتنفيذ البرامج الداعمة لحياتهم، وتحسين مستوى المعيشة، والبناء على جهود الملك في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع دول العالم وترجمة هذه الجهود إلى خطط تنفيذية واضحة ومحددة بأطر زمنية تنعكس نتائجها إيجابا، وتأكيده على أهمية تفعيل قطاعات محددة مثل القطاع السياحي، وتعزيز سلاسل الإمداد في ظل الظروف الخطيرة الحالية، وهذه من المحاور المهمة، لكون سلاسل الإمداد ترتبط بالغذاء والوقود والأدوية وغير ذلك من مستلزمات.رسالة الطمأنة لم تكن شكلية حين يؤكد ولي العهد أن الداخل الأردني مستقر، وأن المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية تؤدي دورها، مع التأكيد على وحدتنا جميعا في مواجهة الظروف الصعبة، وهي ظروف يسهل التعامل معها، ما دمنا في الداخل الأردني مدركين لكلفتها.كل ما قاله فيه انحياز كامل للناس ومصالحهم من حيث العناوين، ووظيفة هذه الحكومة وكل الحكومات أن تنفذ التوجيهات، خصوصا مع إشارة الأمير الضمنية إلى أنه يتوجب عدم السماح للظروف الإقليمية بالتأثير على القطاعات الداخلية، وهذه رسالة معاندة منه لكل الظرف القائم إقليميا، معاندة يريدها إستراتيجية لتفادي الاستسلام لظرف الإقليم.القصة ليست مجرد عناوين من خبر رسمي حول ما قاله ولي العهد في مجلس الوزراء، يراد إعادة إنتاجها وتجميلها بشكل أو بآخر، القصة ترتبط بإدارة الحكم للشأن الداخلي، وتحميل المؤسسات لمسؤولياتها، وما يتعلق بشراكة الناس في إدامة الأردن، لأن إدامة الأردن ليس دورا رسميا فقط، بل تعد دورا شعبيا، ويكفي ما نراه من خراب في كل مكان ليستفز فينا الرغبة بأن يسلم الأردن، دون أن تكون هذه الرغبة تعبيرا عن عزلة.يعجبني في نشاطات الأمير تركيزه على القطاعات التي تستشرف المستقبل، من إشارته إلى النجاح الذي حققته مبادرات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، وفي مقدمتها مركز الصحة الرقمية وتطبيق سند، وتأكيد على أهمية البناء على التجارب الناجحة وتوسيعها لتسخير التكنولوجيا في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، لأن التكنولوجيا هي المستقبل.من دون التحول التكنولوجي في كل القطاعات لا يمكن أن ننافس اقتصاديا أو مهنيا أو علميا، والنقطة الأخرى التي تصب في ذات الإطار دعوته لتحسين إدارة البيانات الحكومية والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ القرارات الدقيقة في الوقت المناسب.أسباب نجاة الأردن ليست مجرد صدفة، وليست مؤقتة، ولا تقوم على صناعة الوهم، بل على مؤسسات وأفراد وشعب، إذ على الرغم من حالة الشكوى والتذمر التي نسمعها كل يوم، ونشارك فيها كلنا أحيانا، فإن الفرق بيننا وبين غيرنا أنه ما تزال لدينا دولة، ومؤسسة حكم، ومؤسسة إدارة للشأن العام بكل أجنحتها، ومع هذا سلوك يومي يعزز الاستقرار، ورسائل الحكم تقول إن كل شيء قابل للتطوير، حتى لا نبقى أسارى للضيق.نجاة الأردن ليست مؤقتة ولا صدفة، وكلنا ساهمنا فيها حكما وشعبا.