يُنظر إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بوصفها واحدة من أهم المحطات السياسية خلال العقود الأخيرة؛ ليس فقط لأنها قد تنهي حقبة بنيامين نتنياهو الطويلة، بل لأن الرجل تحوّل، في الداخل والخارج، إلى عنوان لمرحلة كاملة من الصراعات والانقسامات والحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023. تبدو الخريطة الانتخابية، للوهلة الأولى، وكأنها مواجهة بين نتنياهو وخصومه أكثر مما هي بين مشروعين سياسيين متكاملين؛ فقد تشكل تحالف بين نفتالي بينيت ويائير لبيد، فيما يقود غادي آيزنكوت قائمة أخرى، إلى جانب قوى معارضة يجمع بينها بصورة رئيسية هدف إنهاء حكم نتنياهو، مقابل الليكود وحلفائه من اليمين الديني والقومي والحريدي. لكن الاختلافات داخل المعسكر المناهض لنتنياهو كبيرة، وقد تصبح أكثر وضوحاً إذا نجح بالفعل في الوصول إلى الحكم.
تتجاوز أهمية الانتخابات الحسابات الداخلية، فقد أصبح نتنياهو عبئاً متزايداً على علاقات إسرائيل الخارجية، بعد أن دخل في مواجهات وأزمات مع تركيا وإيران، فيما ازدادت صعوبة علاقات إسرائيل حتى مع دول عربية ترتبط معها بمعاهدات سلام واتفاقيات، وتدهورت صورتها في قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. وتمثل بريطانيا مثالاً واضحاً على التحول الأخير، مع الإجراءات التي اتخذتها ضد المستوطنين وعنفهم في الضفة الغربية.حتى في واشنطن لم تعد العلاقة بين دونالد ترامب ونتنياهو بالصورة التي عرفناها سابقاً، صحيح أنّ التحالف الأميركي - الإسرائيلي ما يزال قوياً، لكن تباينات ظهرت في التعامل مع ملفات إقليمية عديدة، وقد يجد فريق داخل الإدارة الأميركية أن وجود حكومة إسرائيلية مختلفة يتيح فرصة أفضل لإعادة ترتيب علاقات واشنطن بإسرائيل وحلفائها في المنطقة.لهذا يمكن فهم التطلع الإقليمي والدولي إلى مرحلة «ما بعد نتنياهو». لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا لو رحل نتنياهو فعلاً؟ هل تتغير إسرائيل؟ وهل نشهد تحولاً جوهرياً في سياساتها تجاه الدولة الفلسطينية والضفة وغزة، أو تجاه لبنان وسورية والمنطقة؟في هذا السياق يقدم أستاذ العلوم السياسية والخبير في شؤون المنطقة، ناثان براون، إجابة مهمة (في مقال نشره في «ديوان»، بمؤسسة كارنيغي، في 15 أيلول/ سبتمبر) بعنوان «خمر قديم في معارك جديدة»، (Old Wine in New Battles)، إذ يحذر من اختزال التحول الإسرائيلي الراهن في شخصية نتنياهو؛ فالعقيدة الأمنية التي تبلورت بعد السابع من أكتوبر تبدو أوسع منه، فيما تشترك البدائل السياسية المحتملة، رغم اختلافاتها، في أجزاء أساسية منها.تكمن الفكرة الأهم، لدى براون، في انتقال إسرائيل من عقيدة الردع إلى عقيدة المنع، في النموذج السابق يمكن أن يمتلك الخصم قدرات عسكرية خطرة، بينما تعمل إسرائيل على ردعه عن استخدامها، أما في النموذج الجديد فقد أصبح امتلاك القدرة نفسها هو المشكلة؛ فلا يكفي ردع حزب الله عن إطلاق الصواريخ، بل ينبغي منعه من إعادة بناء ترسانته، ولا يكفي احتواء حماس، بل المطلوب منع إعادة تشكيل قدراتها العسكرية والحكومية.يمتد المنطق نفسه إلى سورية وتركيا، بل وإلى الدول التي ترتبط بعلاقات سلام مع إسرائيل؛ لأن العقيدة الجديدة تنقل مفهوم الأمن من التعامل مع النوايا إلى التعامل مع القدرات، فالحكومات تتغير والتحالفات تتبدل، وقد تصبح دولة ضعيفة قوية في المستقبل، لذلك لم تعد التسويات السياسية قادرة، كما كانت سابقاً، على إخراج القدرات العسكرية للآخر من الحسابات الأمنية الإسرائيلية.الأخطر أن هذه العقيدة تحمل منطقاً يعيد إنتاج نفسه؛ فإذا استعاد الخصم قدراته، فالاستنتاج أن الضربة السابقة لم تكن كافية، وإذا أنتجت العمليات الإسرائيلية مزيداً من العداء، يصبح ذلك العداء دليلاً إضافياً على ضرورة استمرارها، لذلك لا توجد نقطة نهاية طبيعية للاستراتيجية، وقد تتحول المناطق الأمنية والمواقع العسكرية «المؤقتة» في غزة ولبنان وسورية إلى واقع دائم، فيما يصبح الحد الفاصل بين الدفاع والسيطرة أكثر غموضاً.تبدو القضية الفلسطينية الاختبار الأوضح، فقد تأتي حكومة أقل تطرفاً، ترفض التهجير وتكبح المستوطنين وتعيد الاعتبار للدبلوماسية وتتحدث مجدداً عن «أفق سياسي»، لكن إذا بقيت السيادة الفلسطينية الفعلية مرفوضة، والمساواة السياسية الكاملة في دولة واحدة مرفوضة أيضاً، فإن جوهر المعادلة لن يتغير كثيراً.لذلك ينبغي ألا نرفع سقف التوقعات من الانتخابات المقبلة. قد يكون خروج نتنياهو، إن حدث، مهماً في اللغة والأدوات والعلاقات الدولية، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية العقيدة التي ترسخت خلال السنوات الأخيرة، فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات؟ بل أي مفهوم للأمن سيحكم إسرائيل بعد نتنياهو؟.لم يعد نتنياهو هو المشكلة!
مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ