أكثر ما يثير غضبي وحنقي أن يُنظر للموقع العام على أنه حالة إلهاء أو جسر للعبور إلى مغانم خاصّة أو حالة غثيان تودي بصاحبها إلى مدافن الغيرة الوطنيّة وأخلاق رجال الدولة، ولعل أحد القابعين خيانة وراء القضبان قد صنع لنا "قيحاً نخبوياً" أنتج فيما بعد بعض طحالب الزمن الصعب التي تتبادل الفتك بالموقع العام عبثاً أو نيلاً من شرف الثقة العامّة التي كرسها الدستور، وتاريخ الدولة الأردنيّة المُهيب.
بعض المواقع العامّة لها قدسيّة ووقار تتناوب بين مناط التكليف، ومهابة المُكلِّف، وطبيعة السلطة التي أُستدعي لها المُكلََّف، وبعض المواقع الأخرى تفقد بريقها وجلالها لمجرد أن يحطّ فيها بعض "البُغاث" والطارئين على المسؤوليّة العامّة، وسدنة الخذلان الوطني، وعبدة الدرهم والدينار، ولربما كانت الصورة أبشع من ذلك بكثير عند توصيفها بدقّة أو توظيفها بأمانة.
ثمة فرق بين الشهداء والجبناء، والشرفاء والعملاء، ثمة فرق موجع بين رجال تموت من أجل الوطن، وتجّار ينحرون الوطن على مذبح مصالحهم الضيّقة، ويحتسون أنخابهم وحقائبهم على ظهورهم؛ أي وجع هذا الذي يستبدّ بنا دون رحمة، وأي جفاء وقلة وفاء ذاك الذي يجعل بعض من هم بين ظهرانينا يفقدون العذر، ويتعالون عن الإعتذار للوطن السيّد، والتراب الشريف، والتاريخ الحرّ، ويعزّ عليهم الوفاء لوطن رفعهم صوب الشمس فانحدروا إلى القاع.
هذا كثير؛ أن يصبح صراخ الحرص خطيئة، وخيانة التكليف وجهة نظر، هذا كثير؛ أن يسود علينا من لا يحترم أمسنا وشمسنا، وخبزنا ودماء الشهداء التي لم تجفّ بعد، هذا كثير؛ أن يستبدّ بنا القهر ونحن نرى صورة وطننا الباسقة تتآكل من "رجالات الأنابيب"؛ الذين يستبدلون العمل الوطني بالعمل الإضافي، والرفعة الوطنيّة بالفرصة الذهبيّة، وعشق الوطن ومسؤولية أبنائه في بناء وطنهم بالدولار.
الإعتذار عن المسؤولية قبل ولوجها في معرض الرأي السياسي وجهة نظر، ومُغادرة شرف التكليف بعد ولوجه خطيئة لا تُغتفر؛ لسبب بسيط يكمن في نضوب مخزون الخجل الوطني من كل شيء، ولكن الأردن فيه خير كثير، ورجال صدقوا ما عاهدوا الوطن عليه، ولعلّ الوطن السيّد سيبقى كبيراً عزيزاً بأهله الشرفاء، وقيادته الحكيمة، وجيشه المصطفوي البطل.