أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن في قلب الإقليم: سياسة الهاشميين في التوازن في زمن العواصف


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

الأردن في قلب الإقليم: سياسة الهاشميين في التوازن في زمن العواصف

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

في منطقة لم يعد فيها الاستقرار قاعدة، بل أصبح استثناءً يحتاج إلى كثير من الحكمة، يقف الأردن في مساحة جغرافية وسياسية تجعل الابتعاد عن أزمات الإقليم أمرًا مستحيلًا، وتجعل التعامل معها بمنطق ردود الفعل أمرًا بالغ الخطورة. فالأردن ليس جزيرة معزولة عن محيطها، بل هو في قلب منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التاريخ، والسياسة مع الأمن، والمصالح الدولية مع القضايا العربية الكبرى. وعلى حدوده تتجاور ملفات فلسطين وسوريا والعراق، وفي امتداده العربي تتداخل الحسابات الاقتصادية والأمنية والسياسية، بينما يبقى موقعه في الإقليم عاملًا دائم الحضور في صناعة قراراته. ومن هنا، فإن السياسة الأردنية لم تكن يومًا مجرد اختيار بين موقف وآخر، وإنما كانت في كثير من الأحيان فن الحفاظ على الممكن وسط عالم يدفع الدول نحو الخيارات الصعبة. فالأردن يدرك أن موقعه الجغرافي لا يمنحه رفاهية الانعزال، لكنه في الوقت ذاته لا يسمح بأن تتحول هذه الجغرافيا إلى قدر سياسي يفرض عليه أن يكون جزءًا من كل صراع يدور حوله. ولذلك جاءت سياسة التوازن كخيار واقعي يحمي المصالح الوطنية، ويحافظ على استقلال القرار، ويمنح الدولة مساحة للحركة في إقليم سريع التغير.

والتوازن هنا لا يعني الحياد، ولا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، كما قد يظن البعض. التوازن السياسي يعني امتلاك موقف واضح، مع المحافظة على القدرة على الحركة، وقراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات، وإدراك أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الأبيض والأسود، وإنما بالمصالح والثوابت والمساحات المشتركة. وفي الإقليم المضطرب قد يكون اتخاذ موقف سريع أمرًا سهلًا، لكن الأصعب هو المحافظة على ثبات الدولة ومصالحها وقدرتها على التأثير في الوقت نفسه. وهنا تظهر قيمة السياسة الهادئة التي لا تبحث عن الضجيج بقدر ما تبحث عن النتائج. والأردن، بحكم موقعه، يعرف جيدًا أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، لكن إذا كانت الجغرافيا قدرًا، فإن طريقة إدارة هذا القدر هي السياسة. فوجوده بين بؤر توتر إقليمية متتالية وضع الدولة أمام تحديات أمنية وسياسية مستمرة، وجعل حماية الحدود ومنع انتقال الفوضى ومواجهة التهريب والجريمة المنظمة والحفاظ على أمن المجتمع جزءًا من معركة أوسع عنوانها حماية الدولة نفسها. ولهذا لا يمكن فصل الأمن عن السياسة الخارجية في الحالة الأردنية، لأن ما يحدث خارج الحدود قد تكون له انعكاسات مباشرة داخلها، وقد تتحول الأزمات الإقليمية إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية وأمنية تمس حياة المواطن الأردني بصورة مباشرة.

ومن هنا، فإن السياسة الخارجية الأردنية ليست ترفًا دبلوماسيًا، وإنما هي جزء من منظومة حماية المصالح الوطنية. وكل تحرك دبلوماسي، وكل علاقة دولية، وكل شراكة اقتصادية، يمكن أن تحمل في طياتها بعدًا يتجاوز حدود الاتفاقات والبروتوكولات، لتصبح جزءًا من قدرة الدولة على حماية موقعها وتعزيز اقتصادها والحفاظ على استقرارها. وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ، لا تبدو الدول مطالبة فقط بأن تختار أصدقاءها، بل بأن تعرف كيف تحافظ على مصالحها مع أطراف مختلفة. وقد نجح الأردن على مدى عقود في بناء شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية، وحافظ على قنوات مفتوحة للحوار والتعاون مع قوى متعددة، انطلاقًا من إدراك واضح بأن مصالح الدولة لا ينبغي أن تُختزل في محور واحد. فالعلاقات مع الدول العربية، والولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، ودول الخليج، وغيرها، تشكل مجتمعة شبكة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمنح الأردن قدرة أكبر على المناورة والحركة. ولعل الانفتاح الأردني على الصين في السنوات الأخيرة مثال واضح على هذه الرؤية التي تبحث عن توسيع الخيارات بدل تضييقها. فالشراكات الدولية لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها اصطفافًا سياسيًا، وإنما باعتبارها فرصًا للتنمية والاستثمار ونقل الخبرات وتوسيع الأسواق وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وفي عالم يتغير فيه مركز الثقل الاقتصادي والسياسي بصورة متسارعة، يصبح من مصلحة الأردن أن يحافظ على علاقاته المتوازنة وأن يفتح أبوابه أمام الشراكات التي تخدم اقتصاده وأمنه ومصالحه الوطنية. قد لا يمتلك الأردن الموارد التي تمتلكها دول أخرى في الإقليم، ولا المساحة الجغرافية أو الثقل السكاني الذي يجعل تأثيره قائمًا على الحجم، لكن الدول لا تُقاس دائمًا بمساحتها أو مواردها. أحيانًا يكون وزن الدولة في قدرتها على فهم اللحظة السياسية، وفي قدرتها على بناء الثقة، وفي استقرار مؤسساتها، وفي قدرتها على الحديث مع أطراف مختلفة عندما تصبح قنوات الحوار أكثر ندرة. وهذه واحدة من نقاط القوة التي راكمها الأردن عبر عقود، إذ استطاع أن يحافظ على صورة الدولة المستقرة، القادرة على التواصل، والحاضرة في القضايا الإقليمية دون أن تفقد بوصلتها الوطنية.

وفي منطقة تتغير تحالفاتها بسرعة، تصبح الدولة التي تحافظ على استقرارها، وتحترم التزاماتها، وتبقي قنواتها مفتوحة، أكثر قدرة على التأثير من دولة تملك موارد أكبر لكنها تفقد القدرة على قراءة المشهد والتحرك داخله. وهذا لا يعني أن الأردن يعيش بعيدًا عن ضغوط الإقليم، بل على العكس، ربما كان من أكثر الدول تأثرًا بما يحدث حوله، لكنه اختار أن يتعامل مع هذه الضغوط من خلال بناء سياسة تقوم على ضبط الإيقاع، وحماية الداخل، وتوسيع العلاقات، والتمسك بالثوابت. وربما هنا تكمن المفارقة الأردنية الأهم؛ أن قوة الأردن لا تأتي من قدرته على تغيير الجغرافيا، وإنما من قدرته على إدارة موقعه داخلها. فالأردن في قلب الإقليم، لكنه ليس أسيرًا له. وهو محاط بالعواصف، لكنه ليس مضطرًا لأن يكون جزءًا منها. وبين جغرافيا لا ترحم، وإقليم سريع التحول، وقضية فلسطينية ما زالت في صلب المشهد، وعالم تتغير فيه موازين القوة، يبقى التحدي الحقيقي أمام السياسة الأردنية هو المحافظة على المعادلة الأصعب: أن يبقى الأردن حاضرًا في قضايا المنطقة من دون أن يفقد بوصلته الوطنية، وأن يكون جزءًا من الحلول من دون أن يتحول إلى جزء من الأزمات. ففي زمن العواصف، ليست الحكمة أن ترفع صوتك فوق صوت العاصفة، وإنما أن تعرف كيف تحمي بيتك، وتحافظ على اتجاهك، وتخرج من العاصفة أكثر ثباتًا مما دخلت إليها. وربما لهذا تحديدًا ظل الأردن، رغم محدودية موارده وضخامة التحديات المحيطة به، قادرًا على الحفاظ على موقعه ودوره؛ لأنه لم يتعامل مع الإقليم بمنطق المغامرة، ولا مع السياسة بمنطق اللحظة، وإنما بمنطق الدولة التي تعرف أن أعظم انتصار في زمن الفوضى هو أن تحافظ على استقرار وطنها، وعلى قرارها، وعلى قدرتها على صناعة المستقبل.

وهنا يصبح التوازن أكثر من مجرد أداة في السياسة الخارجية؛ يصبح فلسفة دولة. فلسفة تقوم على أن الأردن يستطيع أن يكون حاضرًا دون أن يندفع، مؤثرًا دون أن يتورط، منفتحًا دون أن يتخلى عن ثوابته، وقريبًا من قضايا أمته دون أن يسمح لأزمات الإقليم بأن تنتقل إلى داخله.

مدار الساعة ـ