لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الشباب الأردني قادرًا على أن يكون جزءًا من مشروع التحديث، فالإجابة واضحة: نعم. والسؤال الأهم هو مدى توافر الإرادة والآليات التي تمكن الشباب من الانتقال من الحديث عن المستقبل إلى المشاركة الفعلية في صناعته. ومن هنا تبرز أهمية المؤتمر الوطني الأول لكلية عمّان الجامعية للعلوم المالية والإدارية في جامعة البلقاء التطبيقية، الذي ناقش «الشباب الأردني ومسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري: فرص وأدوار»، باعتباره منصة تتجاوز الطابع الأكاديمي لتضع الشباب في صميم مشروع بناء دولة أكثر حداثة، واقتصاد أكثر قدرة على توفير الفرص، وإدارة أكثر كفاءة، وحياة سياسية أكثر مشاركة.
جاء المؤتمر في مرحلة مهمة يتقدم فيها الأردن في مسارات متوازية للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ويبرز فيها الشباب بوصفهم قوة رئيسية للتغيير، لما يمتلكونه من قدرة على التعامل مع التكنولوجيا والتحولات الجديدة. لذلك ركز المؤتمر على فرص الشباب وأدوارهم، إلى جانب دور الجامعات والمجتمع المدني والإعلام في تمكينهم، مؤكدًا أن الشباب ليسوا «قادة المستقبل» فقط، بل شركاء في حاضر الأردن، وحاضرون في الجامعات وسوق العمل والمؤسسات والشركات الناشئة والأحزاب والمبادرات المجتمعية والفضاء الرقمي.وفي مجال التحديث السياسي، يمثل بناء الثقة وتشجيع المشاركة الفاعلة للشباب عنصرًا أساسيًا للنجاح. فالمشاركة السياسية لا تقتصر على الانتخابات أو الانتساب إلى الأحزاب، وإنما تشمل الوعي والحوار وقبول الاختلاف وتحمل المسؤولية والقدرة على تقديم البرامج والحلول. ولذلك فإن تعزيز الوعي السياسي للشباب يجب أن يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام، وأن يمتد إلى الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. كما أن الثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما عندما يرى الشاب أن صوته مسموع، وأن أفكاره قابلة للنقاش، وأن مشاركته يمكن أن تتحول إلى قرار أو مبادرة أو إنجاز.أما على المستوى الاقتصادي، فلم يعد المطلوب من الشباب البحث عن الوظائف التقليدية فقط، بل تمكينهم من صناعة الفرص من خلال الابتكار وريادة الأعمال والمهارات الرقمية والاقتصاد المعرفي والاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي. وهذا يتطلب بيئة تساعد الشباب على تأسيس المشاريع وتطوير الأفكار والحصول على التدريب والتمويل والوصول إلى الأسواق والاستفادة من التكنولوجيا. وقد تناول المؤتمر هذه القضايا من خلال محاور ركزت على ريادة الأعمال والابتكار والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والبيئة التشريعية والاستثمارية والتعليم المهني والتقني، باعتبارها عناصر أساسية لدخول الشباب إلى الاقتصاد الجديد.وفي التحديث الإداري، يستطيع الشباب أن يكونوا عنصرًا رئيسيًا في إحداث التغيير، نظرًا لقربهم من التكنولوجيا والمنصات الرقمية والخدمات الإلكترونية. فالشباب يتطلعون إلى مؤسسات تقدم خدمات أسرع وإجراءات أبسط ومعلومات أكثر وضوحًا وشفافية أكبر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من ثقافة الإجراءات إلى ثقافة النتائج، ومن البيروقراطية إلى الكفاءة، ومن التعامل الورقي إلى التحول الرقمي، مع التأكيد أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى كوادر قادرة على استخدامها وتطويرها. ولذلك فإن تمكين الشباب داخل المؤسسات وتأهيلهم للقيادة وإشراكهم في تطوير الخدمات يمثل جزءًا أساسيًا من التحديث الإداري.وتؤكد تجربة المؤتمر كذلك أهمية دور الجامعة، التي لم تعد مطالبة بالتعليم التقليدي فقط، وإنما بأن تكون مساحة للحوار الوطني ومختبرًا للأفكار وحاضنة للابتكار وجسرًا بين الشباب وسوق العمل ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص. فالجامعة الفاعلة هي التي تمنح الطلبة فرصًا أكبر للبحث والمبادرة والابتكار والعمل التطوعي والمشاركة في الحياة العامة، وتعمل على تحويل المعرفة إلى حلول تسهم في مشروع التحديث.ويبقى نجاح المؤتمر مرتبطًا بما سيحدث بعد انتهائه، وليس فقط بعدد جلساته أو أوراقه العلمية أو المشاركين فيه. فالتوصيات والمبادرات والتقرير الختامي وشبكات التواصل بين الشباب والمؤسسات لا بد أن تتحول إلى خطوات عملية وبرامج وسياسات قابلة للقياس والمتابعة. ولذلك تمثل مرحلة ما بعد المؤتمر، بما تتضمنه من متابعة وتقييم وقياس ومساءلة، الاختبار الحقيقي لمدى نجاح مخرجاته وقدرتها على إحداث أثر ملموس.ويمتلك الأردن ثروة بشرية شابة متعلمة وقادرة على التعلم والتكيف والابتكار، إلا أن تحويل هذه الطاقات إلى قوة وطنية يتطلب تعليمًا نوعيًا، وفرصًا عادلة، وبيئة اقتصادية محفزة، ومؤسسات تستمع إلى الشباب، ومساحات حقيقية للمشاركة، وقواعد واضحة للمنافسة تقوم على الكفاءة والاستحقاق. فالتحديث الحقيقي لا يقتصر على تطوير القوانين والمؤسسات، بل يشمل أيضًا تطوير العلاقة بين الدولة والمجتمع والشباب، بحيث يشعر الشاب بأن وطنه يثق به، وأن كفاءته مقدرة، وأن صوته مسموع، وأن أمامه فرصًا حقيقية للإنجاز.ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحويل قضية الشباب من موضوع موسمي إلى سياسة وطنية مستدامة تربط بين التعليم والعمل والسياسة والاقتصاد والإدارة والثقافة، مع توفير مسارات واضحة لاكتشاف القيادات الشبابية وتأهيلها وإشراكها ومتابعة أدائها. كما يجب الانتقال من مفهوم تمكين الشباب بالكلمات إلى تمكينهم بالأدوات والفرص والمسؤوليات، بحيث يعرف الشاب كيف يطور فكرته، ويحولها إلى مشروع، ويشارك في الحياة السياسية، ويطور مهاراته، ويصل إلى المؤسسات القادرة على دعمه.وفي المحصلة، فإن التحديث عملية مستمرة لا تنتهي بانتهاء مؤتمر أو بإقرار وثيقة، ونجاحها يتطلب أن يشعر المواطن، وخاصة الشباب، بأنه شريك حقيقي فيها. وعليه، فإن المخرجات الأهم للمؤتمر لا تتمثل فقط فيما طُرح خلال جلساته، وإنما فيما يمكن أن ينتج عنه من مبادرات شبابية وسياسات جديدة وقيادات شابة وشراكات حقيقية. فالشباب الأردني ليسوا على هامش مشروع التحديث، بل في قلبه، وليسوا مجرد قادة للمستقبل، وإنما شركاء في صناعة حاضر الأردن ومستقبله.الشباب الأردني في قلب التحديث.. من مخرجات المؤتمر الوطني الأول إلى صناعة المستقبل
عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
الشباب الأردني في قلب التحديث.. من مخرجات المؤتمر الوطني الأول إلى صناعة المستقبل
عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
مدار الساعة ـ