مع اقتراب مرور عامين على تشكيل حكومة الدكتور جعفر حسان، يأتي إعلان الحكومة عن حصيلة ما أنجزته ليضع أمام الرأي العام فرصة مهمة لإعادة تعريف مفهوم المحاسبة الحكومية.
المحاسبة حق دستوري وأداة أساسية لتطوير الأداء العام، لكنها تكون أكثر جدوى عندما تنطلق من الوقائع والالتزامات، لا من الشخصنة أو التفاصيل الجانبية التي لا علاقة لها بجوهر العمل الحكومي.الحكومة نفسها وضعت منذ البداية معياراً واضحاً عندما قدمت بيانها الوزاري، مؤكدة أنها ستعمل على تنفيذ برنامجها ومحاسبتها على أساسه، ولذلك فإن السؤال اليوم يجب أن يكون: ماذا وعدت الحكومة؟ وماذا أنجزت؟ وهل حققت المستهدفات؟ وما الذي تأخر؟ ولماذا؟في التعليم، هناك أرقام ومشاريع قابلة للقياس؛ فهل تم إنشاء مدارس جديدة وتوسعة الأبنية المدرسية، وإخلاء المباني المستأجرة وفق المستهدف، إلى جانب التوسع في التعليم المهني والتقني BTEC؟ كما رصدت الحكومة لصندوق دعم الطالب الجامعي 35 مليون دينار، ودعماً مباشراً للجامعات الرسمية بقيمة 80 مليون دينار في موازنة 2026؛ فهل تحقق الأثر المستهدف؟وفي الصحة، يجب أن تشمل المحاسبة مستوى تنفيذ التحول الرقمي في وزارة الصحة، وتوسعة المراكز الصحية، ومشروع التأمين الصحي، وبرنامج علاج مرضى السرطان، إلى جانب مشاريع المستشفيات وتأهيل العيادات الخارجية في المحافظات. كما أن مشروع التحول الرقمي الصحي، الذي يموله صندوق أبوظبي للتنمية بـ100 مليون دولار، يتضمن المستشفى الافتراضي وتبادل البيانات الصحية وخدمات الرعاية عن بُعد؛ فأين وصل التنفيذ؟أما اقتصادياً، فالمحاسبة يجب أن تطال رؤية التحديث الاقتصادي ومشاريعها الكبرى: الناقل الوطني للمياه، والسكك الحديدية والموانئ، وتطوير حقل الريشة الغازي، ومشاريع الطاقة المتجددة، ومدينة عمرة، ومشاريع الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، إذ إن البرنامج التنفيذي الثاني يتضمن 392 مشروعاً، مع استثمارات متوقعة تقارب 10 مليارات دينار من الشراكات مع القطاع الخاص؛ فأين وصل التنفيذ؟وفي المالية العامة، تكون المحاسبة على تنفيذ قانون الموازنة، وضبط العجز، وكفاءة الإنفاق، ومسار الدين العام، وزيادة الإيرادات دون إرهاق المواطن، وعلى مدى الالتزام ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي. فهل البرنامج على المسار الصحيح؟ وما التقدم في الإصلاحات الهيكلية؟ وهل تتحقق مستهدفات موازنة 2026: إيرادات محلية بـ10.196 مليار دينار، وعجز بعد المنح بنحو 2.125 مليار، وعجز أولي قبل المنح بنحو 600 مليون؟ وهل تتجه نسبة الدين نحو المستهدف الحكومي بخفضها إلى أقل من 80 % عام 2028؟ولا يجوز أيضاً تجاهل امتحان إدارة الأزمات، فقد واجه الأردن تداعيات الحرب الإقليمية واضطراب سلاسل التزويد والطاقة والتجارة، وكان معيار النجاح هو حماية الأمن الغذائي والطاقة، واستمرارية الأسواق والخدمات، فهل انقطعت المشتقات النفطية عندما انقطع الغاز؟وفي المحافظات، هل تُرجمت الجولات الميدانية إلى تحسين الخدمات وتسريع المشاريع؟ وهل نُفذت الالتزامات في مواعيدها؟وبموازاة ذلك، هل حافظ البنك المركزي على الاستقرار النقدي واستقرار سعر صرف الدينار، مدعوماً باحتياطيات أجنبية بلغت 28.379.5 مليون دولار بنهاية آب 2026، ومواصلا دوره في إدارة السيولة واحتواء الضغوط التضخمية وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية؟هذه هي المحاسبة التي يحتاجها الأردن: محاسبة بالأرقام، وبالمواعيد، وبنسب الإنجاز، وبالأثر على المواطن والاقتصاد.أما الشخصنة والبحث عن الأخطاء خارج نطاق المسؤولية الحكومية، فلن تنتج إصلاحاً ولا تطويراً، فالحكومة ليست أشخاصاً فقط؛ إنها برنامج والتزامات، وموازنة، وقرارات، ومشاريع.ومن أراد تقييمها بعد عامين، فليفتح بيانها الوزاري وبرامجها التنفيذية، ويضع ما تعهدت به إلى جانب ما أنجزته، عندها فقط تصبح المحاسبة عادلة ومهنية ومفيدة للدولة والمواطن معاً.المحاسبة الحقيقية تبدأ من برنامج الحكومة
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ