أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التوجيهي بين الإصلاح وتكافؤ الفرص.. ماذا يمكن أن نتعلم من الصين؟


الدكتور المهندس عطا الشياب

التوجيهي بين الإصلاح وتكافؤ الفرص.. ماذا يمكن أن نتعلم من الصين؟

مدار الساعة ـ

في كل بيت أردني تقريبًا حكاية مع التوجيهي؛ سهر وقلق وانتظار، وفرحة أحيانًا وخيبة أحيانًا أخرى. وقد نختلف كثيرًا حول هذا الامتحان وقسوته وضغطه النفسي، لكن يصعب إنكار حقيقة رافقته لعقود: أنه ظل، رغم كل عيوبه، واحدًا من أكثر المعايير الوطنية وضوحًا في تحديد فرص الالتحاق بالجامعة.

ففي قاعة الامتحان يجلس ابن القرية وابن المدينة، وابن الموظف وابن المسؤول، وابن الأسرة المقتدرة ومحدودة الدخل، أمام الأسئلة ذاتها. لا يعني ذلك أن فرصهم كانت متساوية تمامًا قبل وصولهم إلى القاعة؛ فالمدارس والظروف الاقتصادية والدروس الخصوصية تختلف، لكن بقيت هناك لحظة وطنية مشتركة للقياس يستطيع فيها الطالب أن يصنع جزءًا مهمًا من مستقبله بجهده.

لهذا فإن النقاش الدائر حول تطوير الثانوية العامة والقبول الجامعي يجب ألا يختزل في عدد المواد والحقول والامتحانات. السؤال الأهم هو: كيف نحافظ على تكافؤ الفرص ونحن نطور النظام؟

وهنا تستحق التجربة الصينية أن نتوقف عندها، لا لكي نقلدها، وإنما لنقرأ أحد دروسها المهمة.

أعادت الصين عام 1977 امتحان القبول الوطني للجامعات المعروف بالـGaokao، بعد سنوات كان القبول الجامعي خلالها متأثرًا بالتوصيات واعتبارات أخرى. ولم يكن القرار مجرد عودة إلى امتحان، بل كان جزءًا من إعادة الاعتبار للمعرفة والكفاءة بوصفهما طريقًا للتقدم.

لم يكن النظام مثاليًا، ولا يزال يتعرض للنقد بسبب شدة المنافسة والضغط النفسي والفوارق بين المناطق، ولذلك عدلته الصين مرات عديدة. لكنها لم تعالج عيوبه بإلغاء المعيار الوطني، وإنما بإصلاحه ومحاولة توسيع فرص الفئات والمناطق الأقل حظًا.

وبعد قرابة نصف قرن، لا يمكن بالطبع أن ننسب نهضة الصين إلى امتحان واحد. فقد نهضت باستثمارات هائلة في الصناعة والبنية التحتية والبحث العلمي والتكنولوجيا والتعليم. لكن من الصعب أيضًا فصل ما وصلت إليه عن فلسفة عامة آمنت بأن اكتشاف الطالب المتفوق، وإعطاءه فرصة، ثم الاستثمار فيه، هو استثمار في مستقبل الدولة نفسها.

والنتيجة نراها اليوم: جامعات صينية تنافس بين الأفضل عالميًا، وقوة متقدمة في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والقطارات والفضاء والصناعات المتطورة. هذه المنتجات لم تولد في المصانع وحدها؛ قبل المصنع كانت هناك مدرسة وجامعة وباحث ومهندس ونظام قرر أن المعرفة جزء من مشروع الدولة.

وهنا نعود إلى الأردن.

لا أحد يدعو إلى إبقاء التوجيهي كما كان قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. نحن بحاجة إلى امتحان أقل اعتمادًا على الحفظ، وأكثر قدرة على قياس الفهم والتحليل والتفكير وحل المشكلات. ونحتاج إلى تخفيف الضغط عن أبنائنا، وتطوير المناهج، وربط التخصصات الجامعية بحاجات الاقتصاد وسوق العمل.

لكن إصلاح التوجيهي شيء، وإضعاف فكرة المعيار الوطني العادل شيء آخر تمامًا.

فكلما طُرحت فكرة إعطاء الجامعات دورًا أكبر في اختيار طلبتها أو إجراء اختبارات خاصة، يجب أن نسأل قبل الانبهار بحداثة الفكرة: ماذا سيحدث للطالب في مدرسة حكومية بعيدة؟ وهل ستكون فرصته مساوية لطالب يستطيع دفع تكاليف الدورات والتحضير لعدة اختبارات؟ وهل ننتقل من امتحان واحد يعرف الجميع قواعده إلى أبواب متعددة يصبح المال أكثر قدرة على فتحها؟

هذه ليست أسئلة ضد التطوير، بل هي جوهر التطوير المسؤول.

فالعدالة لا تعني أن يدخل الجميع الطب أو الهندسة، ولا أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها. العدالة أن يعرف الجميع القواعد مسبقًا، وأن تكون أداة القياس نزيهة وواضحة، وأن يعتمد الوصول إلى الفرصة قدر الإمكان على القدرة والاجتهاد، لا على اسم الأسرة أو دخلها أو مكان السكن.

والأهم أن يدرك صانع القرار أن التعليم ليس ميدانًا مناسبًا للتجارب المتلاحقة. الطالب الذي يدخل المدرسة اليوم يحتاج إلى أن يعرف شكل الطريق الذي سيقوده إلى الجامعة بعد سنوات. فالقرارات التي تبدو إدارية على الورق قد تغير مستقبل آلاف الأسر، ولا يمكن إعادة سنوات عمر الطالب إذا اكتشفنا لاحقًا أن تجربة ما لم تحقق أهدافها.

لدينا في الأردن مواهب حقيقية في المدن والقرى والبادية والمخيمات. قد يكون بين أطفالنا اليوم مهندس سيطور تقنية جديدة، أو طبيبة ستقدم اكتشافًا مهمًا، أو باحث سيؤسس شركة عالمية. وليس مطلوبًا من الدولة أن تعرف أسماء هؤلاء مسبقًا؛ المطلوب فقط أن تبني نظامًا لا يسمح بأن تضيع موهبتهم لأن ظروف أسرهم لم تساعدهم.

لهذا فإن المطلوب ليس الدفاع عن التوجيهي بشكله التقليدي، ولا رفض التغيير. المطلوب أن نطوره من الحفظ إلى التفكير، وأن نحسن المدرسة الحكومية قبل أن نغير قواعد المنافسة، وأن نربط التربية بالتعليم العالي وسوق العمل ضمن رؤية مستقرة تمتد لسنوات.

ولعل أهم ما يمكن أن نتعلمه من الصين ليس امتحان الـGaokao نفسه، وإنما فكرة أبسط وأعمق: الموهبة الوطنية ثروة، والعدالة في اكتشافها مصلحة للدولة وليست مجرد مطلب اجتماعي.

فلنطور التوجيهي، ولنراجع الحقول والمناهج والقبول الجامعي، ولكن قبل أن نتخلى عن أي معيار وطني قائم علينا أن نتأكد أن البديل سيكون أكثر عدالة وشفافية، لا أكثر تعقيدًا وكلفة.

فالقضية في النهاية أكبر من امتحان اسمه التوجيهي.

إنها قضية طفل أردني يجب أن يكبر وهو مؤمن بأن الطريق، مهما كان صعبًا، مفتوح أمامه؛ وأن بإمكانه أن يقول يومًا:

اجتهدت، فتفوقت، فوجدت فرصتي.

ومن هنا تبدأ نهضة الدول.

مدار الساعة ـ