هي رؤية عابرة للحكومات، وتكمن قيمتها الحقيقية فيما ترسمه من إستراتيجية شاملة لحاضر ومستقبل الأردن الاقتصادي. ولذلك، فهي مشروع وطن بأكمله، لا حكومة بعينها.
ومن هذه الزاوية تحديدا، فإن نجاح الرؤية يُقاس بمدى الاستمرارية، والتراكم، وتحويل الأهداف إلى نتائج مستدامة يلمسها الناس في حياتهم اليومية. فكونها عابرة للحكومات يعني أن تتواصل مسيرتها من مرحلة إلى أخرى، وأن تبني الحكومات المتعاقبة على ما يتحقق، وأن تبقى الأولويات الاقتصادية الوطنية الكبرى مستمرة، بغض النظر عمن يشغل المنصب.وهذا يقودنا إلى صلب الموضوع، فالتعامل مع رؤية التحديث الاقتصادي بوصفها خريطة طريق وطنية يقتضي أن يؤمن كل مواطن بأنها استراتيجية مستقبله ومستقبل أبنائه وبناته. وهي في الأصل رؤية تم إعدادها بناء على حوار وطني، ومشاركة واسعة من القطاعين العام والخاص.لقد بذلت الدولة جهدا واضحا في تعريف الرؤية، وإتاحة وثائقها وبرامجها، وتقديم أدوات لمتابعة التنفيذ. لكن المرحلة المقبلة تستحق أن نذهب خطوة أبعد، وأن ننتقل من الإعلان عن الإنجاز إلى صناعة الوعي المجتمعي المساند لمسار التحديث الاقتصادي. فرب الأسرة لا يحتاج بالضرورة إلى تفاصيل البرامج، بل ما يهمه بصورة أكثر مباشرة أن يعرف: ماذا تعني هذه الرؤية له؟ وماذا يمكن أن تغيّر في حياة أبنائه وبناته؟ وأين سيكون موقع محافظته منها؟ وكيف ستنعكس على فرص العمل، والدخل، والاستثمار، والخدمات، ونوعية الحياة؟ وماذا تحقق بالفعل، وما الذي تأخر، ولماذا؟وهذه الأسئلة، في طبيعتها مشروعة، وهي جزء من عملية الإصلاح نفسها. فنجاح الإصلاحات الاقتصادية في دول العالم أجمع يحتاج إلى ثقة الجمهور بقدر حاجته إلى التمويل، وإلى وعي الناس بقدر حاجته إلى الخبرات.وفي الحديث عن بناء الوعي المجتمعي، فإن إطلاق الحكومة الناطق الرقمي (فرح) مؤخرا، والمطوَّر بتقنيات الذكاء الاصطناعي ليكون أداة للتواصل الحكومي الرقمي، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. فهو أكثر من مجرد إضافة إلى منظومة الاتصال الحكومي، بل إشارة إلى أن أدوات التواصل نفسها تتطور، وأن وصول المواطن إلى المعلومة يحتاج إلى أن تواكب الحكومة الطريقة التي يتلقى بها الناس المعلومات ويتفاعلون معها.المطلوب في نهاية المطاف بناء علاقة شراكة حقيقية بين المواطن والرؤية، وأن تصل إلى جميع المحافظات، لا في صورة مؤتمرات ومقابلات يتحدث فيها المسؤولون فقط، على الرغم من أهمية ذلك، وإنما أيضا في حوار تستمع فيه الحكومة بقدر ما تتحدث. فالحوار الحقيقي لا يهدف إلى شرح ما تقرر فحسب، بل إلى اكتشاف ما لم يصل بعد إلى الناس، وما يحتاج إلى تعديل أو توضيح أو معالجة. وهذا ما يجعل المواطن شريكا حقيقيا في عملية التحديث وداعما لها.إن مسؤولية نجاح الرؤية لا تقع على الحكومة فقط. فالقطاع الخاص شريك أساسي، وكذلك الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث والمجتمع المدني شركاء في بناء الحوار والوعي برؤية التحديث الاقتصادي، والمواطن في النهاية هو صاحب المصلحة الأساسية في كل ذلك. وكلما تكاملت الأدوار، أصبحت الرؤية مشروعا وطنيا يشارك الجميع في حصد ثماره. وعلينا أن نتذكر هنا أن الثقة طويلة الأمد لا تُبنى بعرض الإنجازات وحدها، وإنما أيضا بالقدرة على الحديث بوضوح عما يحمله الحاضر ومستقبل التحديث من فرص وتحديات أيضا.لقد قطعت الرؤية شوطا مهما من البلورة إلى التنفيذ، وتحتاج المرحلة المقبلة إلى ترسيخ حضورها في الوعي المجتمعي، باعتبارها أساسا لتحديث الأردن اقتصاديا. وعندها فقط تنضج الرؤية وتصبح ما يجب أن تكون عليه: مشروع وطن بأكمله، ونجاحا لنا جميعا يتردد صداه عبر الأجيال.