لكل من يتابع مسار السياسة الإيرانية على مدى العقود الماضية يجد أن الأردن مستهدف بكل الطرق المتاحة أمام إيران، ولننظر ماذا فعلت في العراق وسوريا ولبنان؛ فهي تستهدف الوصول إلى الأردن بشتى الطرق، لكن الحرص والقيادة السليمة جعلا الأردن في منأى عن الوصول الإيراني (الفارسي)، وقد تقدمت بطرق عديدة من الأماكن الدينية وتقديم النفط للأردن مقابل أمور الحج إلى الأماكن الدينية في الكرك، ولكن ذلك لم ينجح وباء بالفشل بالرغم من كثرة الإغراءات.
ثم هناك مسار آخر، فهو إحداث عدم الاستقرار من خلال فئات مستهدفة لإيجاد قواعد لها، ولكن اليقظة عند الأجهزة الأمنية التي تواصل الليل بالنهار لتحصين الجبهة الداخلية واضعةً نصب عينيها الأردن واستقراره. وبعدها جاءت أمور التنظيمات والدعم لها بشتى الصور سواء في إطار ديني أو غيره، وكذلك فشلت. وفي نهاية المطاف لجأت من خلال سوريا إبان حكم الأسد (نظام المخلوع) إلى عصابات تعمل على إدخال المخدرات والأسلحة، وطورت من أساليبها عن طريق الطائرات المسيرة؛ كل هذه الطرق وغيرها لجأت إليها إيران، والحمد لله باءت بالفشل بالوعي والتماسك وشدة البأس، حيث كان المقصود تكوين هلال شيعي يحكم المنطقة عبر العراق وسوريا ولبنان وحركات أخرى لتحقيق أهدافها وبسط سيطرتها. إلا أن ما حدث من سقوط نظام الأسد وخروج القوات الإيرانية أضعف من نفوذها، وكذلك لبنان؛ فالحرب الأخيرة التي استهدفت الوسط الشيعي في الجنوب اللبناني هي في الواقع حرب إيرانية مغطاة بما يسمى حزب الله. وما يدور في العراق الآن من عدم استقرار من خلال المليشيات المسيطرة والمنتشرة والتي تمثل وجهة النظر الإيرانية والتي تستهدف تحقيق أهدافها ورسم سياساتها، كل هذا يوحي بأن إيران لا تريد استقرار المنطقة. وما يفعله الحوثيون سواء في اليمن أو في الاعتداء على الدول المجاورة مثل السعودية، إنما يؤكد أن لإيران الرغبة الأكيدة في بسط نفوذها والسيطرة على منطقة الخليج وإعادة مفهوم الهلال الفارسي. وبغض النظر عن المصالح ما بين إيران والولايات المتحدة، فكلاهما لهما مصالح واحدة يريدون قصدها والسيطرة من خلالها على منابع النفط، فالولايات المتحدة تريد النفط بأقل الأسعار والدخول إلى مضيق هرمز عبر سفنها من خلال تواجدها وقواعدها المنتشرة، وإيران تريد بسط نفوذها والسيطرة على دول الخليج وتحقيق عوائد من خلال الضرائب على السفن، مستغلةً إدخال السفن التي تحقق مصالحها وترفض السفن التي تتعارض مع أجندتها، وفهمها العميق بأن أميركا لا تريد الحرب الطويلة (البرية) لاتساع مساحتها وتعقيد جغرافيتها وتضاريسها.كل هذا يجعل إيران تعمل على عدم استقرار المنطقة ونزف طاقاتها للوصول إلى أهدافها، وما يحدث في الأردن وبعض الدول الخليجية إنما ليؤكد ذلك؛ فقد فشلت في كل الطرق السابقة ولم يبقَ أمامها سوى هذه الطرق التي تلجأ إليها، ولم يعلم الإيرانيون بأن مثل هذه التصرفات لن تزيد أبناء الوطن إلا تماسكاً وحباً وصدق انتماء وتقليل فرص نفوذها وسيطرتها. إننا في الأردن نعي ذلك ونعي الاستهداف المبرمج بكل أشكاله، والحمد لله لدينا من القوة والمهارة ما يُفَوّت على الإيرانيين الاختراق. أما الجانب الآخر من المعادلة فهو شعبنا وإيماننا المطلق بضرورة استقرار البلاد والمنطقة بشكل عام، وقد عملت المواقف الإيرانية على مزيد من الاحتقان في الشارع الأردني تجاه إيران؛ فمن يستهدف الأردن وشعبه وأمنه واستقراره لن يحقق الرضا ولن يكون مقبولاً تواجده بأي شكل من الأشكال، وهذا الشجب امتد إلى كثير من الأحزاب السياسية التي أصدرت بيانات وأدانت الموقف الإيراني بما يستهدفه من تحقيق عدم استقرار في الأردن، لنصل إلى نتيجة بأن الأردن يزداد مناعة ويزداد قوة طالما أن هناك عدواً يترصد وينتظر الفرص.