مدار الساعة - كتب إبراهيم السواعير -
دائمًا ما أنحاز إلى اللقطة الأدبيّة، وأعود سيرتي الأولى وفطرتي الشعريّة التي نشأتُ عليها؛ ولذلك أجدني أشغفُ بكلّ نصٍّ أدبيٍّ يُعلي من قدر الإنسان ويوسّع من أسئلته، بل ويفتح كوى في الغرف المغلقة؛ وحين يأخذنا الزميل محمد سويلم المشاقبة في مادّته الصحافيّة الموسومة بـ"رحلة الماء.. حكاية العطش والأمل"، الفائزة بجائزة الحسين للإبداع الصحفي، في دورة عام 2025، عن حقل التقرير الصحفي/ القصّة الإخباريّة،.. إلى التعبير الرشيق والبناء الدرامي الذي يصلح بجدارة لأن تتم منتجته فيلمًا يحصد جوائز إضافيّة.. فإنَّ الثقة تعود إليّ حتمًا بأنّ المبدعين من زملاء المهنة إنّما هم أصحاب رسالة حقيقيّة، لهم سياقاتهم الوجدانيّة ومراسهم وعنفوان تعبيرهم في قوالب الصحافة وألوانها، خصوصًا حين تقودهم ضمائرهم إلى حيث أحزان الحياة ومكابدة مشاقّها في كلّ أنحاء المعمورة. وأعتقد أنّ الزميل محمد سويلم مسكونٌ بحسٍ إنسانيٍّ نبيل، ليذهب في عزّ الشهر الفضيل فيقوم على تصوير معاناة حَيٍّ في الأغوار الجنوبيّة ما يزال أهله ينقلون الماء على ظهور دوابهم يحدون للأمل، ويعيدون المسافة ذاهبين آيبين، يصنعون أفراحهم على طريقتهم، ويقبسون من سراب الصحراء وشجر النبع الفرح المؤقت بعد الأصيل من الحزن، وراحة المسافر بعد المتواصل من التعب.لقد استطاع محمد سويلم أن ينفذ إلى قلوبنا، ويجعلنا نتصوّر المكان وحركة الدواب وطقطقات الجالونات على ظهور الحمير، فيما الشباب من أبناء ذلك الحيّ يبحثون ويجدّون في البحث، فلا يقعدون عن الماء، شريان الحياة، بل ومصدر كلّ حياة.بدأ الزميل سويلم بـ"انطلاقة النهار"، ورسْم مسير القافلة، وكلّها تعابير له حقوق ملكيّتها في سياقها الأدبي الجميل وشرود ذهنه ووجدانه المفعم بالأحزان والتساؤلات، كلّ ذلك في سطور قصيرة وبليغة تقول صفحات كاملة، سطور مؤثرة جدًّا، دون أن يغالي في الشرح أو التبسيط، فهو يترك للقارئ فترة أن يعيش اللحظات ويشاركه الحالة؛ إذ تكفي جملة شاردة عن قطيعها، لتحملنا مشفوعةً بالصورة الفوتوغرافية المعبّرة، إلى مؤدّاها النفسي، ونحن يأخذنا العجب، كلّ العجب، من شحّ الماء وقطع المسافات للظفر به، في زمن السدود و"الحنفيّات" ووفرة الماء!وكجزءٍ من واجبه الصحفي، سار سويلم، مع شباب يجلبون الماء من مصبّ عين ماء في الجنوب، مقدّمًا حروفه الإنسانيّة قلائد تضيء للمسؤولين وأصحاب القرار، على هموم منسيّة، ورحلات أسبوعية في طلب الماء، بل والمعاناة مع الجالونات وتنظيفها، وحتى تخليصها مما علق بها من موادّ خطيرة. وقد عبّر أهالي المنطقة بالمحبة ذاتها التي دخل بها زميلنا إليهم، وهو يشاطرهم شايهم وآلامهم وطموحاتهم التي لا تتعدى الفرح بالوصول إلى الماء.عمل محمد سويلم على التأثير اللغوي والمجاز في عبارات حملت المعاناة بصورة أقرب إلى الشعر في جمل صحفيّة، كتركيزه على وقع خطوات الشقاء وأصوات الجالونات التي تواسي أصحاب الدواب في مسافاتهم التي تتعدى الثلاثة كيلومترات فوق ظهور الحمير، وتصويره توريث المهنة الشّاقة من الأجداد للآباء ولأبناء الآباء، والتي لا تخلو من أسمدة كيماوية أو نفطية لها آثارها الموجعة على صحّتهم واستمرارهم في الحياة. كما يرسم الزميل سويلم مشهدًا بانوراميًّا رائعًا في الحركة الضاجّة وسط تضاريس الصحراء والجبال والهضاب، وعند اتضاح الأفق أو صفاء الماء في كثيرٍ من الأحيان، وكلّ ذلك كما يقول قضايا تختبر صبر شباب المنطقة الذين لا يلبثون أن يعُبّوا من الماء، فكأنّهم- والقول له- يجمعون الحياة في الجالونات أو أوعية الماء.ويصوّر سويلم الأرض القاحلة وخضرة الينبوع وترتيب الأحمال وملء الجالونات وتصبب العرق على جباه الصبية السائرين إلى الحيّ برسائل إيجابيّة مطمئنة بوصول الماء، في مشهدٍ يتحلق فيه الأهالي وهم يملؤون الجرار ويروون العطش، فيرتشفون جرعاتٍ دافئةً من الشاي، يفكّرون في استراحة مؤقتة بالرحلة القادمة للاحتفاظ بأكبر قدرٍ من الحياة.أمّا عنوان المادة الصحفية الفائزة، فقد عنونها الزميل محمد سويلم بـ "رحلة الماء.. حكاية العطش والأمل"، جامعًا في هذا العنوان المؤثّر بين نقيضي العطش والارتواء، أو الظمأ والأمل بالماء!وبعد، فإنّ الصحفي دائمًا هو المادة الأولى للمؤسسات الصحفية، وهو مصدر ترويجها وحضورها، وحين يغالب ذاته المترعة بالعالق من التمنيات والطويل من التفاوض مع الإدارات، فإنّه إنّما يردد قول من يقول "وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ"!من شوك التحديات.. محمد سويلم يقطف جائزة الحسين للإبداع الصحفي
مدار الساعة ـ











