مدار الساعة -منذ أن انطلقت أولى خطوط السكك الحديدية العامة في العالم، تغير وجه النقل والسفر والتجارة إلى الأبد. وكان خط ستكتون–دارلينغتون في إنجلترا، الذي افتُتح عام 1825، من أوائل المحطات المفصلية في تاريخ القطارات، إذ لم يتجاوز طوله عند افتتاحه 8 أميال (نحو 13 كيلومترًا)، وكان ينقل الركاب والبضائع على حد سواء.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد السكك الحديدية مجرد وسيلة لنقل الفحم والمواد الخام خلال الثورة الصناعية، بل تحولت إلى شرايين اقتصادية تربط المدن والموانئ والمناطق النائية، وأسهمت في نمو التجارة وتوسع المدن وتغيير مفهوم السفر لمسافات طويلة.عصرا جديداومع ظهور السيارات والطائرات خلال القرن العشرين، تراجع الاعتماد على بعض خطوط القطارات، وأُغلقت خطوط أخرى أو تراجعت حركة الركاب عليها. لكن السكك الحديدية لم تختفِ، بل دخلت عصرًا جديدًا مع القطارات الأسرع، والقطارات فائقة السرعة، والقطارات السياحية الفاخرة، فضلًا عن عودة الاهتمام بالقطارات الأقل تلويثًا، بما في ذلك تقنيات تعتمد على الهيدروجين.واليوم، تمتد بعض خطوط السكك الحديدية آلاف الكيلومترات عبر دول وقارات بأكملها، وتقدم رحلات لا تُقاس بالساعات فقط، بل بالأيام.أديلايد – داروين 2,979 كيلومترًافي قلب أستراليا، تمتد رحلة قطار «ذا غان» بين مدينة أديلايد في الجنوب وداروين في الشمال لمسافة تبلغ نحو 1,851 ميلًا (2,979 كيلومترًا).قطارات سياحيةويُعد «ذا غان» واحدًا من أشهر القطارات السياحية في أستراليا، كما يرتبط اسمه بتاريخ مستكشفي المناطق الداخلية للبلاد وسائقي الجمال الأفغان الذين أسهموا في استكشاف المناطق النائية، قبل أن تصبح السكك الحديدية وسيلة رئيسية للوصول إليها.ويضم القطار نحو 24 عربة تجرها قاطرتان تعملان بالديزل والكهرباء، ويصل طوله الإجمالي إلى ما يقارب نصف ميل، ما يجعل إجراءات صعود الركاب تتم عبر رصيفين في بعض المحطات.تبلغ سرعة القطار في المتوسط نحو 53 ميلًا في الساعة، وتستغرق الرحلة قرابة 54 ساعة، مع توقفات تتيح للركاب استكشاف بعض المناظر الطبيعية الشهيرة في وسط أستراليا.نيو أورلينز – لوس أنجلوس 3,212 كيلومترًاتمتد رحلة شركة صن سيت المحدودة بين نيو أورلينز ولوس أنجلوس لمسافة تبلغ 1,995 ميلًا أي (3,212 كيلومترًا).ويُعد هذا القطار، الذي تديره شركة Amtrak، من أقدم القطارات التي ما زالت تعمل بصورة مستمرة في أمريكا الشمالية، إذ تعود بداية تشغيله إلى عام 1894.ويمر القطار عبر خمس ولايات أمريكية هي لويزيانا وتكساس ونيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا، ويتوقف في نحو 21 محطة، فيما تستغرق الرحلة قرابة 48 ساعة.وتوفر عرباته متعددة المستويات إطلالات واسعة على المشاهد الطبيعية المتغيرة، من الأراضي الرطبة والمستنقعات إلى الصحارى.لكن تاريخ الخط شهد أيضًا حادثًا مأساويًا، ففي عام 1993 اصطدمت قاطرة سحب بجسر "بايو كانوت" للسكك الحديدية، ما أدى إلى إزاحة جزء من الجسر. وبعد لحظات وصل قطار Sunset Limited إلى المكان وانحرف عن مساره، ما تسبب في وفاة 47 شخصًا وإصابة آخرين.شيكاغو – إيمرفيل 3,924 كيلومترًايمتد خط كاليفورنيا زفير لمسافة تبلغ نحو 2,438 ميلًا (3,924 كيلومترًا)، رابطًا بين شيكاغو وإيمرفيل في ولاية كاليفورنيا.بدأ تشغيله في العام 1949، وكان في بدايته يصل إلى أوكلاند، قبل أن يتغير مساره لاحقًا.ويُعد من أشهر رحلات القطارات في الولايات المتحدة، خصوصًا بفضل المناظر الطبيعية التي يمر بها، بما في ذلك جبال روكي وسييرا نيفادا، حيث تستغرق الرحلة نحو يومين وثلاث ليالٍ، ويستطيع الركاب مشاهدة المناظر من خلال عربات ذات نوافذ بانورامية، فيما جرى تصميم جدول الرحلة بحيث تمر أبرز المناظر الطبيعية خلال ساعات النهار.ومن أبرز معالم الرحلة منطقة ممر دونر في كاليفورنيا، التي ارتبطت بقصة مجموعة من الرواد الأمريكيين عُرفت باسم Donner Party خلال شتاء 1846، وهي واحدة من أكثر الحوادث مأساوية في تاريخ الاستيطان غرب الولايات المتحدة.كما يمر القطار عبر نفق موفات في كولورادو، الذي يبلغ طوله نحو 6.2 ميل، بينما يصل أعلى ارتفاع على مسار الرحلة إلى نحو 9,270 قدمًا. سيدني – بيرث 4,352 كيلومترًامن المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي، تمتد واحدة من أكثر الرحلات الحديدية إثارة في أستراليا، حيث يقطع قطار إنديان باسيفيك المسافة بين سيدني وبيرث، التي تبلغ 2,704 أميال (4,352 كيلومترًا).واكتمل الربط الحديدي بين شرق أستراليا وغربها عام 1969، بينما قام قطار إنديان باسيفيك بأولى رحلاته العابرة للقارة عام 1970، والتي تستغرق نحو ثلاثة أيام كاملة، وتتميز بمرورها عبر أطياف واسعة من المناظر الطبيعية، من الجبال الزرقاء بالقرب من سيدني إلى الامتدادات الشاسعة لسهل نولاربور.ومن أكثر الأرقام إثارة في هذا الخط أنه يضم أطول مقطع مستقيم من السكك الحديدية في العالم، بطول يقارب 478 كيلومترًا دون انحناء يذكر، بين منطقتي أولديا ولونجانا.ويُستخدم الخط اليوم بصورة كبيرة في السياحة، مع خيارات متعددة للإقامة داخل القطار وفرص للنزول في بعض المحطات لاستكشاف المناطق النائية.شنغهاي – لاسا 4,374 كيلومترًاتأخذ رحلة القطار Z164 الركاب من مدينة شنغهاي الحديثة إلى لاسا، عاصمة إقليم التبت، عبر مسافة تبلغ نحو 2,717 ميلًا (4,374 كيلومترًا).ولا ينتمي هذا القطار إلى فئة القطارات فائقة السرعة التي تشتهر بها الصين، لكنه يتميز بشيء آخر وهو الارتفاع الهائل الذي يقطعه خلال الرحلة التي تستغرق نحو 44 ساعة و33 دقيقة، ويقضي الركاب ليلتين داخل القطار.وبعد مدينة شينينغ، يدخل القطار منطقة هضبة التبت، حيث ترتفع السكة إلى مستويات تتجاوز 16,600 قدم في بعض المناطق، ما يجعل هذا المسار جزءًا من أعلى شبكة سكك حديدية في العالم.ولمواجهة انخفاض مستويات الأكسجين، صُممت القطارات المستخدمة على المسار بحيث تكون محكمة الإغلاق ومضغوطة، مع توفير أنظمة أكسجين آلية ويدوية.وفي المقابل، يحصل المسافرون على مشاهد استثنائية للجبال المغطاة بالثلوج والمراعي المرتفعة والمناظر الطبيعية القاسية، كما يمر الخط عبر نفق فنغهوشان، أحد أعلى الأنفاق الحديدية في العالم.شيكاغو – لوس أنجلوس 4,390 كيلومترًايُعد نسر تكساس واحدًا من أطول قطارات الركاب في الولايات المتحدة، ويعمل يوميًا بين شيكاغو وسان أنطونيو، لكنه يمتد ثلاث مرات أسبوعيًا إلى لوس أنجلوس من خلال ارتباطه بخط Sunset Limited، ليصل إجمالي مسار الرحلة إلى 2,728 ميلًا (4,390 كيلومترًا)، والتي تتجاوز مدتها 65 ساعة، مع نحو 43 محطة على طول المسار.ويستخدم القطار عربات ذات طابقين، إلى جانب عربات للمراقبة تتيح للركاب مشاهدة المناظر الطبيعية، بما في ذلك جبال أوزارك والمساحات الخضراء في أركنساس.وتعود جذور القطار إلى عام 1948 عندما كان يعمل ضمن شبكة سكة حديد ميسوري باسيفيك ، قبل أن تتولى أمتراك تشغيله، ثم أعيد إطلاقه بصورته الحالية في عام 1981. تورونتو – فانكوفر 4,466 كيلومترًايعبر القطار The Canadian كندا من الشرق إلى الغرب، في رحلة تمتد لمسافة 2,775 ميلًا (4,466 كيلومترًا)، ويرتبط هذا المسار بتاريخ سكك حديد المحيط الهادئ الكندية ، الذي اكتمل عام 1885 وربط شرق البلاد بغربها عبر السكك الحديدية للمرة الأولى.وكان بناء الخط مشروعًا هائلًا ومكلفًا بشريًا، خصوصًا مع مشاركة آلاف العمال الصينيين في أعمال الإنشاء، حيث توفي عدد كبير منهم نتيجة ظروف العمل القاسية والحوادث والمشكلات الصحية.أما اليوم، فأصبحت الرحلة تجربة سياحية بامتياز، إذ يعبر القطار جبال روكي والغابات والبحيرات والسهول، ويمنح الركاب فرصة مشاهدة التنوع الجغرافي الهائل للقارة الكندية.وتستغرق الرحلة نحو 86 ساعة، أي أكثر من ثلاثة أيام ونصف اليوم، ما يعني قضاء نحو أربع ليالٍ داخل القطار.موسكو – بكين عبر هاربين نحو 8,986 كيلومترًاندخل هنا إلى مستوى آخر من الرحلات العابرة للحدود، حيثيمتد خط سكة حديد ترانس مانشوريان من موسكو إلى بكين مرورًا بمدينة هاربين الصينية، لمسافة تقارب 5,582 ميلًا (8,986 كيلومترًا) وفق المسار المذكور.ويعبر الخط مساحات هائلة من روسيا قبل دخول الصين، مرورًا بمدن ومناطق مختلفة، وصولًا إلى بكين.وتوجد أيضًا رحلة أخرى بين موسكو وبكين عبر منغوليا، وهي سكة حديد ترانس منغوليا ، لكن مسار منشوريا أطول بنحو 888 ميلًا.ويستغرق القطار نحو 146 ساعة للوصول إلى العاصمة الصينية، أي أكثر من ستة أيام، ويعبر سبع مناطق زمنية تقريبًا خلال الرحلة.بالنسبة إلى المسافرين، لا تقتصر أهمية الرحلة على المسافة، بل تمنحهم فرصة مشاهدة مدن ومناطق شهيرة، من بينها إيركوتسك وبحيرة بايكال، وصولًا إلى هاربين المعروفة بمهرجان الجليد والثلوج.موسكو – فلاديفوستوك 9,289 كيلومترًاعندما يتعلق الأمر برحلات الركاب الطويلة، يصعب منافسة خط سكة حديد ترانس-سيبيريا، والذي يمتد عبر الأراضي الروسية من موسكو إلى فلاديفوستوك لمسافة تصل إلى 5,771 ميلًا (9,289 كيلومترًا)، ما يجعله أحد أطول خطوط السكك الحديدية في العالم، وأشهرها على الإطلاق.ويقطع القطار مسافة هائلة عبر قارتين، ويعبر نحو ثماني مناطق زمنية، مع توقفات عديدة في مدن روسية مختلفة.وتستغرق الرحلة الكاملة قرابة 174 ساعة، أي نحو سبعة أيام.لكن هذا الخط ليس مجرد رحلة سياحية، فهو جزء من تاريخ روسيا الحديث، حيث بدأ العمل عليه عام 1891، وكان الهدف منه تعزيز الوجود الروسي في شرق آسيا وتسهيل الحركة والتجارة عبر الأراضي الشاسعة للإمبراطورية الروسية.كما لعب الخط أدوارًا مهمة خلال أحداث تاريخية لاحقة، من الحرب الأهلية الروسية إلى التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة في مطلع القرن العشرين.ييوو – مدريد 13,052 كيلومترًاأما المركز الأول في هذه القائمة فيذهب إلى خط مختلف تمامًا، فهو ليس قطار ركاب، بل خط شحن يمتد بين الصين وإسبانيا.يربط خط ييوو – مدريد مدينة ييوو الصينية، المعروفة بتجارة السلع الصغيرة، بالعاصمة الإسبانية مدريد، في رحلة يبلغ طولها نحو 8,110 أميال (13,052 كيلومترًا).وانطلقت الرحلة الأولى على هذا المسار عام 2014، لتصبح واحدة من أبرز خطوط الشحن الحديدية التي تربط الصين بأوروبا، حيث يمر عبر عدد من الدول، من بينها كازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وبولندا وألمانيا وفرنسا، قبل الوصول إلى مدريد، فيما تستغرق الرحلة نحو 21 يومًا.وبطبيعة الحال، لا توجد هنا مقصورات فاخرة أو مطاعم للركاب، فالقطارات مخصصة لنقل البضائع، وتحمل مجموعة متنوعة من المنتجات، منًا يقع بين النقل البحري والجوي من حيث السرعة والتكلفة الأجهزة الإلكترونية إلى المواد الغذائية وغيرها.وتكمن أهمية هذا النوع من خطوط السكك الحديدية في أنه يوفر خيارًا يقع بين النقل البحري والجوي من حيث السرعة والتكلفة لبعض أنواع البضائع، ويعزز حركة التجارة البرية بين الصين وأوروبا.تكشف هذه الرحلات أن السكك الحديدية لم تفقد أهميتها رغم المنافسة الشديدة من الطائرات والسيارات، ففي بعض الأماكن، أصبحت القطارات فائقة السرعة وسيلة تنافس الطائرات على المسافات القصيرة والمتوسطة، بينما تحولت خطوط أخرى إلى تجارب سياحية فريدة وجسور بين الدول تتيح للمسافر مشاهدة قارات كاملة من نافذة عربة قطار.وفي الوقت نفسه، أعادت قطارات الشحن العابرة للقارات للسكك الحديدية دورها القديم في التجارة الدولية، ولكن بتقنيات حديثة وشبكات أكثر تعقيدًا.مغامرةومن أستراليا إلى سيبيريا، ومن الصين إلى أوروبا، تؤكد هذه الخطوط أن القطار لا يزال قادرًا على قطع مسافات تبدو شبه مستحيلة، وتحويل آلاف الكيلومترات من القضبان إلى رحلة واحدة تجمع بين التاريخ، والمغامرة والتجارة والسياحة.شرايين الأرض العابرة للقارات: كيف تشق القطارات أطول المسافات بين التاريخ والتجارة
مدار الساعة ـ











