أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

آلاف الأيام قبل سن العاشرة: أين تذهب ذكريات طفولتنا الأولى

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -عشت آلاف الأيام قبل أن تبلغ العاشرة، ذهبت إلى المدرسة ولعبت وضحكت وبكيت وسافرت وجلست إلى مائدة العائلة، ومع ذلك قد لا تستطيع اليوم استعادة أكثر من مشاهد قليلة ومتفرقة.

قد تتذكر باب منزل قديم ولا تتذكر غرفه، تتذكر لعبة ولا تعرف من أهداها إليك، ترى نفسك في صورة عائلية وتشعر أنك تعرف المناسبة مع أنك لا تستطيع الجزم بأنك تتذكرها فعلاً.

ولا ترتبط هذه الفجوات بالهواتف أو العصر الرقمي، فنسي البالغون طفولتهم قبل التصوير اليومي ومنصات التواصل، وتعرف الظاهرة علمياً باسم فقدان الذاكرة الطفولي.

لا يعني ذلك أن الطفل لم يصنع ذكريات، فقد تكون الأحداث متاحة له خلال سنواته الأولى ثم تصبح استعادتها أصعب مع النمو.

حاجز زمني

ويضع الباحثون الحد التقليدي لفقدان الذاكرة الطفولي حول سن الثالثة والنصف، فتكون ذكريات البالغين قبل هذه المرحلة قليلة وغير مستقرة، ثم تبدأ الذكريات الذاتية في الظهور تدريجياً مع بقاء فجوات واسعة.

ووفقاً لدراسة نشرتها مجلة علم النفس التنموي، استطاع الأطفال والمراهقون تذكر أحداث وقعت قبل سن الثالثة أكثر مما استطاع البالغون، كما كان عمرهم في أقدم الذكريات أصغر من العمر الذي ذكره المشاركون البالغون.

وخلص الباحثون إلى أن حدود فقدان الذاكرة الطفولي قد تتحرك مع تقدم الإنسان في العمر، فيستطيع الطفل الوصول إلى ذكريات مبكرة قد تصبح أقل قابلية للاستعادة عندما يكبر.

ولا تختفي الطفولة في لحظة واحدة، فتتراجع ذكرياتها تدريجياً بينما تتغير الطريقة التي ينظم بها العقل الماضي.

ذاكرة نامية

يستطيع الرضيع التعرف إلى الأشخاص والأصوات والأماكن وتعلم أنماط متكررة، غير أن الذاكرة التي تسمح للإنسان بالقول إن هذا الحدث وقع لي في زمن ومكان محددين تحتاج إلى قدرات تتطور لاحقاً.

ووفقاً لمراجعة نشرتها الجمعية الأميركية لعلم النفس، ينشأ فقدان الذاكرة الطفولي من تفاعل عمليات تشمل نمو الدماغ وتطور اللغة وظهور الإحساس بالذات والقدرة على بناء قصة شخصية مترابطة.

قبل امتلاك اللغة الكافية قد يسجل الطفل التجربة بطريقة يصعب الوصول إليها لاحقاً عندما يصبح التفكير أكثر اعتماداً على الكلمات.

ويحتاج تكوين الذاكرة الذاتية أيضاً إلى إدراك أن الشخص الذي عاش الحدث في الماضي هو نفسه الموجود اليوم.

ولا تعمل الذاكرة كتسجيل محفوظ يعاد تشغيله، فإنها تعيد بناء الماضي كلما استدعاه الإنسان وتجمع التفاصيل والمشاعر والمعلومات اللاحقة في قصة تبدو متماسكة.

ووفقاً لدراسة نشرتها مجلة Memory، تراوحت تقديرات عمر أقدم ذكريات البالغين بين عامين وستة أعوام أو أكثر.

كما أثرت طريقة طرح السؤال في الذكريات التي استطاع المشاركون استعادتها.

ورجح الباحثون أن بعض الذكريات المبكرة قد تبقى موجودة لكنها تصبح أصعب وصولاً.

أيام متشابهة

قد يجد البالغ صعوبة في تمييز سنوات كاملة من المرحلة الابتدائية حتى عندما عاش طفولة مستقرة وسعيدة، وأحد التفسيرات أن الأيام المتشابهة تتداخل.

فيعرف الشخص أنه كان يزور منزل جده كل أسبوع لكنه لا يستطيع استعادة زيارة محددة، ويعرف شكل فصله ولا يتذكر حصة بعينها، ويعرف أنه كان يلعب مع أصدقائه ولا يستطيع وضع معظم تلك الألعاب في يوم واضح.

تحتفظ الذاكرة بصورة عامة عن المرحلة وتفقد كثيراً من أحداثها الفردية، وما يبقى غالباً هو الحدث المختلف أو المشحون بالعاطفة أو الذي أعيدت حكايته مرات عديدة.

لهذا قد يبقى يوم ضاع فيه الطفل عن أسرته أو أول مرة ركب فيها دراجة أو موقف أضحك الجميع، فكسر الحدث نمط الأيام وحمل شعوراً واضحاً ومنح العقل قصة يمكن استعادتها.

حديث عائلي

ولا تتكون ذاكرة الطفل داخل ذهنه وحده، فتساعد الأسرة في ترتيب الأحداث وربطها بالمشاعر وتحويل التجربة إلى قصة شخصية.

وبحسب دراسة نشرت في مجلة علم نفس الطفل التجريبي، ارتبط التوجيه الحساس من الأم أثناء الحديث عن تجارب سابقة بقدرة أفضل لدى الطفل على استعادة ذكريات محددة.

وشملت الدراسة أطفالاً بين الثالثة والسادسة وأظهرت أن أسلوب الحوار العائلي يؤدي دوراً في تطوير الذاكرة الذاتية.

ولا يحتاج الحوار إلى استجواب الطفل أو تقديم رواية جاهزة له، فيمكن للوالدين طرح أسئلة مفتوحة مثل ماذا حدث أولاً ومن كان موجوداً وكيف شعرت وماذا فعلنا بعد ذلك.

تساعد هذه الأسئلة الطفل على ترتيب التجربة وتسميتها وربطها بذاته، وقد تكون المحادثة بعد المناسبة أكثر فائدة للذاكرة من الاحتفاظ بعشرات الصور عنها.

ذاكرة أقوى

يستطيع الآباء مساعدة أطفالهم على تكوين ذكريات أوضح من خلال طقوس عائلية بسيطة وأحداث مختلفة عن الروتين ومحادثات متكررة عن التجارب المشتركة.

ويمكن منح الطفل دوراً في اختيار الرحلة أو اللعبة أو الوجبة حتى يصبح مشاركاً في صنع الحدث.

ويمكن استخدام الصور كبداية للحوار مع سؤاله عما لا يظهر فيها مثل الأصوات والروائح والمشاعر.

لا تضمن هذه الممارسات بقاء كل ذكرى ولا ينبغي أن تتحول الطفولة إلى مشروع لتوثيق كل لحظة، فالتجارب المبكرة تترك أثرها حتى عندما تختفي تفاصيلها.

لن يتذكر الأطفال كل شيء وهذا طبيعي، فمهمة الأسرة أن تمنحهم طفولة جيدة أولاً ثم تساعدهم على روايتها ما دام باب الذاكرة مفتوحاً.


مدار الساعة ـ