أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أين ذهب الذباب من زجاج سياراتنا؟.. قصة 'النظافة' التي تكشف كارثة عالمية

مدار الساعة,أخبار الصحة والأسرة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,درجات الحرارة
مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - هناك ذكرى يشترك فيها كثير ممن سافروا بالسيارة، فبعد رحلة طويلة، خصوصا في الصيف أو على الطرق الزراعية، كانت مقدمة السيارة تتحول إلى مقبرة صغيرة للحشرات، ستلاحظ بقعا على الزجاج الأمامي، وأجساما عالقة بالمصابيح والشبكة الأمامية، وأحيانا كان الأمر يبلغ حد الاضطرار إلى التوقف لتنظيف الزجاج.

اليوم، لا تزال الحشرات ترتطم بالسيارات بالطبع، لكن كثيرين يلاحظون أن المشهد أصبح أقل كثافة بكثير، وقد أصبحت الملاحظة شائعة إلى درجة أن علماء البيئة أطلقوا عليها اسم "ظاهرة الزجاج الأمامي".

بالطبع عدد الحشرات التي تصطدم بسيارة في رحلة ما يعتمد على الفصل ووقت اليوم ودرجة الحرارة والرياح ومكان الطريق وسرعة السيارة ونوع المركبة، فقد تمر بالطريق نفسه في يوم بارد أو عاصف، فلا تكاد تصطدم بحشرة، ثم تعود إليه في ليلة دافئة رطبة فتجد العشرات.

لهذا لا يستطيع عالم البيئة أن ينظر إلى زجاج سيارته ويقول إن الحشرات انخفضت بنسبة معينة، لكن المثير أن العلماء حين حاولوا تحويل هذه الملاحظة إلى تجربة قابلة للقياس، وجدوا أن وراءها بالفعل إشارة تستحق القلق.
مشروع بحثي يكشف الأمر

في بريطانيا، انطلق مشروع منهجي فريد يعتمد على إحصاء السائقين للحشرات المرتطمة بلوحات أرقام سياراتهم مقارنة بالمسافة المقطوعة، وقد كشف مسح واسع أجري عام 2004 عن تسجيل نحو 196 ألف حشرة خلال أكثر من 14 ألف رحلة، بمعدل 0.238 اصطدام لكل ميل.

ولكن المفاجأة جاءت عندما أعيد المسح في عام 2021، حيث أظهر التحليل الإحصائي انخفاضا ملحوظا بنسبة 58.5%، وبحلول عام 2023، أعلن مشروع "بغز ماتر" أن معدل الاصطدامات بات أقل بنحو 77.6% مقارنة ببداية الرصد.

ومع تطور أدوات القياس في تقرير عام 2024، أُدخلت عوامل بيئية وفيزيائية معقدة في النماذج الإحصائية، مثل درجات الحرارة وطبيعة الطرق. ورغم اكتشاف الباحثين أن ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة يزيد من نشاط الحشرات وفرص اصطدامها بنسبة 6.7%، وأن الطرق الحضرية تسجل حشرات أقل بنحو 60% من المناطق الريفية، فإن مسار التراجع العام ظل ثابتا وواضحا، مما ينفي كون الظاهرة مجرد حنين للماضي أو تأثرا بظروف رحلة معينة.
في مواجهة هذه الأرقام، برزت فرضية منطقية ومريحة تقول إن المشكلة لا تكمن في الحشرات، بل في الديناميكا الهوائية المتقدمة للسيارات الحديثة التي تدفع الهواء –ومعه الحشرات– بعيدا عن الزجاج، على عكس السيارات الصندوقية القديمة.

غير أن دراسة بريطانية صارمة أُجريت عام 2019 لاختبار سيارات صُنعت بين عامي 1957 و2018، دحضت هذه الفرضية تماما، فقد أثبتت البيانات أن السيارات الحديثة، في الواقع، تلتقط عددا أكبر قليلا من الحشرات. وبذلك، أُغلق باب تحميل التصميم الهندسي مسؤولية هذا الاختفاء.
تأكدت جدية هذه الأزمة عندما التقت بيانات السيارات بأدلة ميدانية قاطعة من دراسات علمية مستقلة لم تعتمد على الطرقات على الإطلاق، ففي دراسة شهيرة نُشرت في دورية "بلوس وان" عام 2017، اعتمد الباحثون على مصائد للحشرات الطائرة في 63 محمية طبيعية ألمانية طوال 27 عاما.

وجاءت النتائج صادمة، إذ انخفضت الكتلة الحيوية الموسمية للحشرات الطائرة بنحو 76%، وبلغت الخسارة 82% في منتصف الصيف، وما زاد من قتامة الصورة هو أن هذا الانهيار حدث داخل محميات يفترض أنها توفر ملاذا آمنا للحياة البرية.

وتأكد هذا الاتجاه في دراسة أخرى نشرتها دورية "نيتشر" عام 2019، وثقت تراجع أعداد الأفراد في الأراضي العشبية بنسبة 78%، وانخفاض الكتلة الحيوية في الغابات بنسبة 41%، مرجعة ذلك بشكل كبير إلى التوسع في الزراعة المكثفة المحيطة بتلك النظم البيئية.

لماذا تتراجع الحشرات؟

لا يوجد متهم واحد يركز العلماء اهتمامهم عليه، فمثلا تحويل الأراضي الطبيعية إلى زراعة ومدن يقلل أماكن التغذية والتكاثر.

قد تبدو لك كلمة "زراعة" غريبة، لأن الحشرات تعيش في الأراضي الزراعية، لكن الزراعة المكثفة تستبدل الموائل المتنوعة بمساحات كبيرة من محصول واحد، مع إزالة الحواف البرية والأعشاب والشجيرات، وتضيف المبيدات ضغطا مباشرا، بينما تغير الأسمدة تركيب النباتات والتربة.

أما المدن فتضيف الأسفلت وفقد الموائل والتلوث، بما في ذلك التلوث الضوئي ليلا، الذي يمكن أن يغير حركة الحشرات وتغذيتها وتزاوجها، وترى مراجعات علمية واسعة أن تغير استخدام الأرض والزراعة المكثفة والمبيدات والتلوث وتغير المناخ تعمل غالبا معا، ولذلك يصعب تخصيص نسبة محددة لكل منها.

ثم يأتي تغير المناخ ليجعل الصورة أكثر تعقيدا، فالحشرات تعتمد بشدة على درجة الحرارة والرطوبة وتوقيت الفصول.

قد يسمح الشتاء الأكثر دفئا لبعض الأنواع بالانتشار شمالا، لكنه قد يضر أنواعا أخرى إذا جاءت موجات الحرارة والجفاف في مرحلة حساسة من دورة حياتها، أو إذا خرجت الحشرات من طورها اليرقي في وقت لا تتوافر فيه النباتات التي تعتمد عليها.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من التعبير الشائع "نهاية الحشرات"، فالبحث العلمي لا يقول إن جميع أنواع الحشرات تتناقص في كل مكان وبالمعدل نفسه، فبعض الأنواع مستقرة، وبعضها يتزايد، وقد تستفيد أنواع من الاحترار أو من تغير استخدام الأرض، لكن في بعض المناطق فإن أعداد الحشرات تتناقص بالفعل.


مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ