أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل نحن مستعدون لعصر 'فرح'؟


مكرم الطراونة

هل نحن مستعدون لعصر 'فرح'؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

ما إن أعلنت الحكومة عن إطلاق خدمة الناطق الرقمي "فرح"، باعتبارها إحدى أدوات التواصل الحكومي الرقمي، حتى انطلقت موجة واسعة من السخرية والانتقاد، وكأن التجربة خضعت لاختبار طويل، وثبت فشلها، ولم يعد ينقصنا سوى إعلان شهادة الوفاة.

وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني، قال إن "فرح" فكرة رائدة، لكن كثيرين لم ينتظروا لمعرفة إن كانت رائدة فعلاً أم لا. الحكم كان جاهزاً قبل أن تحصل التجربة أصلاً على الوقت الكافي لكي نعرف ماذا تستطيع أن تفعل، وأين تخفق، وما الذي يمكن تطويره فيها.

من حق الناس أن ينتقدوا الحكومة، ومن حقهم أن يسألوا عن كلفة أي مشروع وجدواه وأولويته، وأن يطالبوا بأن تكون التكنولوجيا أداة لتحسين حياتهم، لا مجرد واجهة حديثة لمؤسسات تعمل بالطريقة القديمة نفسها. لكن النقد شيء، والحكم المسبق شيء آخر.

مشكلة جزء من نقاشنا العام أننا نطالب بالتحديث، ثم نسخر من بعض أدواته عندما تظهر، فنتحدث عن ضرورة مواكبة الذكاء الاصطناعي، وعندما تدخل إحدى تطبيقاته إلى مؤسسة حكومية نتعامل معها كمادة للتندر.

لنترك "فرح" تعمل أولاً، ثم نحكم عليها، فإذا تبين أنها لا تقدم قيمة حقيقية، فلنقل ذلك بوضوح. وإذا كانت مجرد استعراض تقني، فمن حق الناس أن يسألوا لماذا أنفقت الأموال عليها. أما أن نحكم على تجربة رقمية بالفشل لأنها بدت لنا غريبة، فذلك لا يقول الكثير عن التجربة بقدر ما يكشف عن مشكلة في علاقتنا بالتغيير نفسه.

والأهم أن "فرح" ليست القضية أصلاً، فالقضية أن ظهورها يقدم لنا إشارة واضحة إلى أن الأردن بدأ يدخل، مثل بقية العالم، مرحلة "الرقمنة الوظيفية"، وهي مرحلة تختلف كثيراً عن الرقمنة التي اعتدنا الحديث عنها طوال السنوات الماضية.

كنا نتحدث عن تحويل المعاملة الورقية إلى إلكترونية، وعن دفع الفواتير عبر الهاتف، والحصول على الوثائق والخدمات من دون مراجعة المؤسسة. أما ما يحدث اليوم فهو أعمق، فالتكنولوجيا لم تعد ترقمن المعاملة فقط، وإنما بدأت تدخل إلى الوظيفة نفسها، وتقوم بمهام كان يؤديها الإنسان.

هنا ينبغي أن نقلق، ولكن ليس من "فرح"، وإنما من مدى استعدادنا لما هو قادم. الذكاء الاصطناعي لن يقف عند ناطق رقمي، ولن يبقى محصوراً في مؤسسة حكومية، وإنما سيتواجد في الإعلام والبنوك والتعليم والطب والقانون والمحاسبة والهندسة والتجارة وخدمة العملاء وعشرات القطاعات الأخرى.

خلال سنوات قليلة، سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل وتعريف كثير من الوظائف التي نعرفها اليوم، فهل نقوم بإعداد أبنائنا لسوق العمل الذي ترمز إليه "فرح"، وهل ما تزال جامعاتنا تخرج طلبة للوظائف كما كانت قبل عشر سنوات، وهل يتعلم أبناؤنا استخدام الذكاء الاصطناعي أم يكتفون باستخدامه لإنجاز واجباتهم. هل نعلمهم التفكير والتحليل والتحقق وحل المشكلات، أم ما نزال نقيس قدراتهم بكمية المعلومات التي يستطيعون حفظها. هذه هي المعركة الحقيقية.

أما الحكومة، فعليها أيضاً ألا تعتبر إطلاق "فرح" إنجازاً بحد ذاته، فالإنجاز يبدأ عندما تثبت الخدمة فائدتها. ينبغي أن نعرف بعد فترة ماذا حققت، وهل حسنت وصول المعلومة الحكومية، ووفرت الوقت والجهد، وما الذي تستطيع تقديمه ولا تستطيع الأدوات التقليدية تقديمه.

نستطيع الحكم على التجارب الحديثة من خلال النتائج، وليس بالتصفيق أو بالسخرية. قد تنجح "فرح"، وقد تخفق، لكن التجريب نفسه ينبغي ألا يخيفنا، لأن الدول التي تخشى التجربة لن تستطيع اللحاق بعالم يتغير بسرعة مذهلة. وأهم ما قدمته "فرح" حتى الآن أنها وضعت أمامنا صورة صغيرة للمستقبل.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ