أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تفسير (لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي): بين الشبهة وحقيقة المراد في القرآن الكريم

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في هذه الآية أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) ص/ 35.

ما تفسير دعاء سيدنا سليمان عليه السلام؟ هل أي أن لا أحد يمتلك أي جزء من الملك الذي دعا الله عز وجل يرزقه إياه ولو جزء صغير منه؟ أم إنه أراد أن لا أحد يمتلك نفس الملك الذي وهبه الله عز وجل إياه؟

ملخص الجواب

معنى الآية: أن سليمان عليه السلام سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله. وليس المعنى: أن سليمان عليه السلام دعا بأن يسلب الله الملك، كل الملك، عمن يأتي بعده من البشر، إلى يوم القيامة؛ فهذا ليس هو الواقع، ولم يقل به أحد في معنى الآية أصلا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قول الله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) ص/ 35.

اختلف المفسرون في معنى الآية.

التفسير الأول: ان معنى الآية: أن سليمان عليه السلام سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر: مثلُه.

وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ عطية، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور، وابن عثيمين رحمهم الله

يُنظر: تفسير ابن عطية (4/505)، تفسير ابن كثير (7/70)، تفسير السعدي (ص: 713)، تفسير ابن عاشور (23/263)، تفسير ابن عثيمين- سورة ص (ص: 168، 169).

التفسير الثاني:

المعنى: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه، كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه، لا أنه يُحجر على من بعده من الناس.

قال الطبري رحمه الله في جامع البيان (20/ 93):

"(وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي): لا يَسْلِبْنِيهِ أحد كما سَلَبَنِيهِ قبل هذه الشيطان" انتهى.

وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير، ومكِّي، والسمعاني. يُنظر: تفسير ابن جرير (20/93، 104)، الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي (10/6255)، تفسير السمعاني (4/444).

وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ.

يُنظر: تفسير ابن جرير (20/93)، تفسير البغوي (4/72)، تفسير ابن الجوزي (3/575)، موسوعة تفسير الدرر السنية.

وسياق الآية، ودلالة الأحاديث تدل على التفسير الأول، قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/70):

"قال بعضهم: معناه: لا ينبغي لأحد من بعدي أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه، كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس.

والصحيح: أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثلُه، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ عِفريتا من الجن تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ -أو كلمة نحوها-ليقطع عليَّ الصلاةَ، فأمكنني اللهُ منه، وأردتُّ أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلُّكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.

قال رَوْحٌ: فرده خاسئا"..) انتهى.

وبناء على القول الأول: أنه سأل من الله تعالى ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله= ليس معنى الآية أن سليمان عليه السلام طلب من الله أن لا يملك أحد بعده أيَّ جزء من الملك أو السلطة أو المال، وإنما طلب مُلكًا فريدًا استثنائيًا لا يكون لأحد بعده مثله.

فتجد أن ابن كثير رحمه الله قال: لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، ولم يقل: لا يكون لأحد من بعده أي ملك.

وهذا واضح جدًا من سياق الآيات التي بعد دعائه، حيث بيّن الله بعض خصائص هذا الملك:

فالله تعالى لم يقل فقط: فَآتَيْنَاهُ مُلْكًا؛ بل بعد دعائه مباشرة قال: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ، ثم: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، ثم: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. ص/ 36-38.

فلا يصح أن نفهم الآية على أن سليمان عليه السلام دعا بأن لا يكون لأحد من الناس بعده شيء من الملك والسلطان إلى يوم القيامة؛ فهذا ليس هو المراد، وليس هو الواقع، وليست هي سنة الله في كونه، ولم يقل بهذا الفهم في معنى الآية أحد أصلا.

والله أعلم.


مدار الساعة ـ