لِلْحَيَاةِ سَاعَةٌ لَا تَتَوَقَّفُ، وَلِلتَّارِيخِ عَقَارِبُ لَا تَعْرِفُ العَوْدَةَ إِلَى الوَرَاءِ. وَإِذَا كَانَتْ عَقَارِبُ السَّاعَةِ تَمْضِي إِلَى الأَمَامِ، فَإِنَّ العَقْلَ الإِنْسَانِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْقَى أَسِيرَ أَمْسٍ، وَإِنَّ التَّعْلِيمَ، وَهُوَ أَكْبَرُ مَصَانِعِ المُسْتَقْبَلِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ غَدًا بِأَدَوَاتِ الأَمْسِ.
مِنْ هُنَا تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ أَيِّ مُرَاجَعَةٍ جَادَّةٍ لِمَنْظُومَةِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ فِي الأُرْدُنِّ؛ فَالمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَغْيِيرِ امْتِحَانٍ، وَلَا إِعَادَةَ تَرْتِيبِ مَوَادٍّ، بَلْ هِيَ سُؤَالٌ أَعْمَقُ: أَيُّ إِنْسَانٍ نُرِيدُ أَنْ نُخَرِّجَهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ؟فِي سِيَاقِ التَّطَوُّرِ التَّرْبَوِيِّيُسَجَّلُ لِمَعَالِي الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ عَزْمِي مُحَافَظَةَ، وَزِيرِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَنْمِيَةِ المَوَارِدِ البَشَرِيَّةِ، أَنَّهُ تَعَامَلَ مَعَ مَلَفِّ التَّعْلِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَنْظُومَةٌ مُتَرَابِطَةُ الأَوْصَالِ، لَا جُزُرٌ مُتَبَاعِدَةٌ؛ فَالتَّرْبِيَةُ وَالتَّعْلِيمُ، وَالتَّعْلِيمُ التِّقْنِيُّ، وَالتَّعْلِيمُ العَالِي، وَسُوقُ العَمَلِ، وَالمَهَارَاتُ المُسْتَقْبَلِيَّةُ، كُلُّهَا حَلَقَاتٌ فِي سِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ.وَقَدْ أَصْبَحَ تَطْوِيرُ المَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ فِي الأُرْدُنِّ اتِّجَاهًا مُؤَسَّسِيًّا وَاضِحًا، وَتُظْهِرُ الوَثَائِقُ الوَزَارِيَّةُ أَنَّ تَطْوِيرَ امْتِحَانِ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ يَأْتِي انْسِجَامًا مَعَ تَطَوُّرِ المَعْرِفَةِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا وَمَعَ المُمَارَسَاتِ الدَّوْلِيَّةِ الفُضْلَى. وَلَعَلَّ مِنْ أَبْرَزِ مَا شَهِدَتْهُ المَنْظُومَةُ فِي مَرْحَلَتِهَا الجَدِيدَةِ الاِنْتِقَالُ نَحْوَ مَسَارَاتٍ أَكَادِيمِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ تَقْنِيَّةٍ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ يَعْكِسُ فِكْرَةَ تَنْوِيعِ الفُرَصِ أَمَامَ الطَّالِبِ وَرَبْطِ التَّعْلِيمِ بِمَا يَلَائِمُ قُدُرَاتِهِ وَمَيُولَهُ وَاحْتِيَاجَاتِ المُجْتَمَعِ وَسُوقِ العَمَلِ. وَتُظْهِرُ أَنْظِمَةُ الوَزَارَةِ الحَالِيَّةُ إِدَارَةً مُوَحَّدَةً لِلْمَسَارَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَدَعْمًا لِلْخُطَطِ الدِّرَاسِيَّةِ وَالمَوَاءَمَةِ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالمَهَارَاتِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَأْتِي التَّوَجُّهُ نَحْوَ إِعَادَةِ تَعْرِيفِ وَظِيفَةِ الاِمْتِحَانِ العَامِّ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى أَدَاةٍ لِلتَّقْيِيمِ وَالاِلْتِحَاقِ بِالتَّعْلِيمِ العَالِي، بَدَلَ أَنْ يَبْقَى فِي وَعْيِ المُجْتَمَعِ امْتِحَانًا يَخْتَزِلُ قِصَّةَ الطَّالِبِ كُلَّهَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.وَهُنَا نَلْمَسُ جَوْهَرَ الفِكْرَةِ: أَنْ تَكُونَ المَدْرَسَةُ مَكَانًا لِلتَّعَلُّمِ وَبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ وَاكْتِسَابِ المَهَارَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ الاِلْتِحَاقُ بِالتَّخَصُّصِ الجَامِعِيِّ مَرْحَلَةً لِاخْتِيَارِ المَسَارِ الَّذِي يَتَنَاسَبُ مَعَ قُدُرَاتِ الطَّالِبِ وَمَيُولِهِ.مِنْ «وَحْشِ التَّوْجِيهِيِ» إِلَى جِسْرِ المُسْتَقْبَلِلَقَدْ عَاشَ المُجْتَمَعُ الأُرْدُنِيُّ عُقُودًا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى التَّوْجِيهِيِّ عَلَى أَنَّهُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الفَاصِلَةُ الَّتِي تُحَدِّدُ مُسْتَقْبَلَ الطَّالِبِ، حَتَّى أَصْبَحَ الاِمْتِحَانُ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ أَشْبَهَ بِـ«وَحْشٍ» يَرْبُضُ فَوْقَ تَلَّةٍ، يَنْظُرُ إِلَيْهِ الطَّالِبُ بِالخَوْفِ، وَتَرْتَجِفُ لَهُ قُلُوبُ الأُسَرِ.وَلَكِنَّ الإِصْلَاحَ التَّرْبَوِيَّ الحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ بِتَغْيِيرِ شَكْلِ الاِمْتِحَانِ فَقَطْ، بَلْ بِتَغْيِيرِ الفَلْسَفَةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا.فَالطَّالِبُ لَيْسَ رَقْمًا فِي كَشْفِ نَتَائِجَ، وَالمَعْدَّلُ لَيْسَ هُوَ الإِنْسَانَ، وَالاِمْتِحَانُ لَيْسَ هُوَ التَّعْلِيمَ.إِنَّ الطَّالِبَ الَّذِي نُرِيدُهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يُفَكِّرُ، وَكَيْفَ يُحَلِّلُ، وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُ مَا تَعَلَّمَهُ، وَكَيْفَ يَخْتَارُ مَسَارَهُ بِوَعْيٍ، لَا مَنْ يَحْفَظُ المَعْلُومَةَ لِيَكْتُبَهَا فِي وَرَقَةٍ ثُمَّ يَنْسَاهَا.الرِّيَاضِيَّاتُ… لَيْسَتْ مَادَّةً فَقَطْوَمِنَ الأَفْكَارِ المُهِمَّةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ أَنَّ الرِّيَاضِيَّاتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَادَّةٍ دِرَاسِيَّةٍ، بَلْ هِيَ تَدْرِيبٌ لِلْعَقْلِ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالاِسْتِنْتَاجِ وَحَلِّ المُشْكِلَاتِ.وَلِذَلِكَ فَإِنَّ تَعْزِيزَ مَهَارَاتِ الطَّالِبِ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ يَفْتَحُ أَمَامَهُ أَبْوَابًا وَاسِعَةً فِي العُلُومِ وَالهَنْدَسَةِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا وَغَيْرِهَا مِنَ المَجَالَاتِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى التَّفْكِيرِ الكَمِّيِّ وَالْمَنْطِقِيِّ.فَالرِّيَاضِيَّاتُ، بِهَذَا المَعْنَى، لَيْسَتْ أَرْقَامًا تُجَمَّعُ، بَلْ عَقْلٌ يَتَدَرَّبُ؛ وَلَيْسَتْ مُعَادَلَاتٍ تُحْفَظُ، بَلْ طَرِيقَةٌ لِلنَّظَرِ إِلَى المُشْكِلَةِ وَالبَحْثِ عَنْ حَلٍّ لَهَا.التَّعْلِيمُ الَّذِي يَرَى المُسْتَقْبَلَإِنَّ العَالَمَ لَمْ يَعُدْ يَنْتَظِرُ خَرِّيجًا يَحْمِلُ شَهَادَةً فَقَطْ؛ بَلْ يَبْحَثُ عَنْ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ مَهَارَةً، وَيَمْلِكُ قُدْرَةً عَلَى التَّعَلُّمِ المُسْتَمِرِّ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَيَّفَ مَعَ عَالَمٍ تَتَغَيَّرُ فِيهِ المِهَنُ وَالأَدَوَاتُ وَالتِّقْنِيَّاتُ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ.وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ رَبْطَ التَّعْلِيمِ بِالتِّقْنِيَةِ وَالمَهَارَاتِ وَاحْتِيَاجَاتِ سُوقِ العَمَلِ لَيْسَ خُرُوجًا عَنِ التَّعْلِيمِ التَّقْلِيدِيِّ فَقَطْ، بَلْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ فَلْسَفَةٍ قَدِيمَةٍ إِلَى فَلْسَفَةٍ جَدِيدَةٍ تَقُولُ: لَا تُعَلِّمْ الطَّالِبَ مَا كَانَ العَالَمُ يَحْتَاجُهُ، فَقَطْ؛ عَلِّمْهُ مَا سَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ العَالَمُ غَدًا.التَّطَوُّرُ لَا يَنْتَظِرُ أَحَدًاإِنَّ أَخْطَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْعَلَهُ بِالتَّعْلِيمِ أَنْ نُحَوِّلَهُ إِلَى مَاءٍ رَاكِدٍ.فَالمَاءُ الَّذِي يَجْرِي يَظَلُّ نَقِيًّا، وَالنَّهْرُ الَّذِي يَمْضِي يَحْمِلُ الحَيَاةَ، وَأَمَّا المَاءُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ فِي مَكَانِهِ، فَقَدْ يَتَحَوَّلُ مَعَ الوَقْتِ إِلَى مَاءٍ آسِنٍ تَتَجَمَّعُ فِيهِ مَا لَا يَنْفَعُ.وَكَذَلِكَ التَّعْلِيمُ: إِمَّا أَنْ يَتَحَرَّكَ مَعَ الحَيَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ المَاضِي.وَالأُرْدُنُّ الَّذِي عُرِفَ بِقُدْرَةِ أَبْنَائِهِ عَلَى التَّعَلُّمِ وَالإِنْجَازِ، يَسْتَحِقُّ مَنْظُومَةً تَرْبَوِيَّةً تَفْتَحُ لِأَبْنَائِهِ النَّافِذَةَ عَلَى العَالَمِ، وَتُعَلِّمُهُمْ أَنْ يَكُونُوا صُنَّاعًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، لَا مُجَرَّدَ مُتَلَقِّينَ لَهُ.كَلِمَةٌ فِي حَقِّ مَعَالِي وَزِيرِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِوَلَا يَسَعُنِي وَأَنَا أَتَنَاوَلُ هَذَا المَشْهَدَ التَّطْوِيرِيَّ إِلَّا أَنْ أُشِيدَ بِجُهُودِ مَعَالِي الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ عَزْمِي مُحَافَظَةَ، الَّذِي يَحْمِلُ مَشْرُوعًا وَاضِحَ المَعَالِمِ فِي تَطْوِيرِ المَنْظُومَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَنَقْلِهَا مِنْ مَرْحَلَةِ إِدَارَةِ الوَاقِعِ إِلَى مَرْحَلَةِ صِنَاعَةِ المُسْتَقْبَلِ.إِنَّ قِيمَةَ هَذَا الجُهْدِ لَا تَكْمُنُ فِي تَغْيِيرِ اِمْتِحَانٍ أَوْ تَعْدِيلِ هَيْكَلٍ فَقَطْ، بَلْ فِي النَّظَرِ إِلَى التَّعْلِيمِ بِعَيْنٍ تَرَى مَا بَعْدَ المَدْرَسَةِ، وَمَا بَعْدَ الجَامِعَةِ، وَمَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ.وَهَذِهِ هِيَ الفَلْسَفَةُ الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَيْهَا: أَنْ نَبْنِيَ تَعْلِيمًا لَا يَقِيسُ مَا حَفِظَهُ الطَّالِبُ فَقَطْ، بَلْ يَكْتَشِفُ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهُ.لَيْسَ التَّطْوِيرُ أَنْ نَهْدِمَ مَا بَنَيْنَاهُ، وَلَا أَنْ نَرْفُضَ المَاضِيَ لِأَنَّهُ مَاضٍ؛ بَلْ أَنْ نَأْخُذَ مِنَ المَاضِي خِبْرَتَهُ، وَمِنَ الحَاضِرِ وَاقِعَهُ، وَمِنَ المُسْتَقْبَلِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ نَبْنِيَ مَنْظُومَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْشِيَ فِي الزَّمَنِ وَلَا تَتَخَلَّفَ عَنْهُ.وَإِذَا كَانَتْ عَقَارِبُ السَّاعَةِ لَا تَعُودُ إِلَى الوَرَاءِ، فَإِنَّ تَعْلِيمَنَا أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الأَمَامِ.فَالمَدْرَسَةُ لَيْسَتْ مَكَانًا لِحَفْظِ المَعْلُومَاتِ فَقَطْ، وَالثَّانَوِيَّةُ لَيْسَتْ مَحْطَّةَ خَوْفٍ، وَالاِمْتِحَانُ لَيْسَ مِقْيَاسَ الإِنْسَانِ كُلِّهِ.إِنَّهَا رِحْلَةُ بِنَاءِ إِنْسَانٍ قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَيُفَكِّرَ، وَيَخْتَارَ، وَيُبْدِعَ، وَيَعْمَلَ، وَيُسَاهِمَ فِي صِنَاعَةِ وَطَنِهِ.وَتِلْكَ هِيَ الثَّانَوِيَّةُ الَّتِي نُرِيدُهَا: لَا اِمْتِحَانًا يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الوَرَقَةِ، بَلْ تَعْلِيمًا يَبْدَأُ مَعَهُ المُسْتَقْبَلُ.إِنَّ الأُمَمَ لَا تَبْنِي مُسْتَقْبَلَهَا بِعَقَارِبِ سَاعَةٍ عَائِدَةٍ إِلَى الوَرَاءِ، بَلْ بِعُقُولٍ تَنْظُرُ إِلَى الأَمَامِ؛ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ غَدَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَ أَبْنَاءَهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَهُ.عندما تتقدّم عقارب الساعة.. يتقدّم التعليم
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ