ارتفاع مديونية الأفراد في الأردن إلى 14.312 مليار دينار في نهاية الربع الأول من عام 2026 يستحق قراءة تتجاوز مقدار الزيادة المسجلة، فالنمو البالغ 0.6 % خلال ثلاثة أشهر يبدو محدوداً، لكنه يأتي فوق قاعدة ائتمانية مرتفعة أصلاً، تعادل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وتستحوذ على قرابة 40 % من إجمالي التسهيلات المصرفية.
السؤال الاقتصادي يرتبط بطبيعة الطلب على القروض، والوجهة التي يستخدم فيها الأفراد التمويل، ومدى انعكاسه على تكوين الأصول والدخل والطلب المحلي. فالأثر الاقتصادي للائتمان لا يتحدد بحجمه فقط، وإنما بكيفية استخدامه وقدرته على توفير منفعة مستدامة للمقترض.تظهر مكونات المحفظة أن القروض السكنية حافظت على الصدارة بقيمة 5.754 مليار دينار، تلتها القروض الشخصية بنحو 4.664 مليار، ثم قروض السيارات بقيمة 1.865 مليار، والقروض الاستهلاكية بنحو 1.051 مليار، وبطاقات الائتمان بقيمة 565 مليون دينار.وتعني هذه التركيبة أن القروض السكنية وقروض السيارات، المرتبطة مباشرة بتمويل أصول، تشكلان معاً نحو 53.2 % من مديونية الأفراد، لكن هذه النسبة لا تكفي وحدها للقول إن معظم الاقتراض يتجه إلى الاستثمار، فالمسكن والمركبة أصلان في ميزانية الأسرة، إلا أن أثرهما في الإنتاج والدخل يختلف عن تمويل مشروع أو نشاط اقتصادي مولّد للعائد.واللافت في بيانات الربع الأول هو اختلاف اتجاهات مكونات المحفظة، فقد ارتفعت القروض الشخصية بنسبة 2.7 % مقارنة بنهاية عام 2025، ونمت أرصدة بطاقات الائتمان بنسبة 1.4 %، بينما تراجعت القروض الاستهلاكية بنسبة 3.6 %، وقروض السيارات قرابة 2 %، فيما استقرت القروض السكنية تقريباً.هذا التحول لا يشير بالضرورة إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي، لأن القرض الشخصي يتمتع بمرونة أكبر، ويمكن استخدامه لتمويل الاحتياجات الجارية أو شراء الأصول أو تغطية تكاليف التعليم أو تسوية التزامات سابقة، لذلك فإن نمو القروض الشخصية بالتزامن مع تراجع القروض المصنفة استهلاكية قد يعكس تغيراً في أدوات الاقتراض أكثر مما يعكس تحولاً جوهرياً في غاياته.اقتصادياً، يدعم الائتمان الفردي الطلب المحلي؛ فالقروض السكنية تنشط السوق العقارية والقطاعات المرتبطة بها، وقروض السيارات تدعم تجارة المركبات والتأمين والصيانة، فيما تنعكس القروض الشخصية وبطاقات الائتمان على مبيعات السلع والخدمات. ويعتمد استمرار هذا الأثر على قدرة المقترضين على الموازنة بين خدمة الأقساط والمحافظة على مستويات مناسبة من الإنفاق والادخار.وهنا تبرز دلالة وصول نسبة العبء الشهري لمديونية الأفراد إلى 44 % من دخل المقترضين في نهاية عام 2025، مقارنة بـ43.1 % في العام السابق. ورغم أن البنك المركزي يضع هذه النسبة ضمن المستويات المقبولة دولياً، فإنها تؤكد أهمية متابعة العلاقة بين نمو المديونية وتطور دخول الأسر، لأن استدامة الائتمان ترتبط بقدرة الدخل على تغطية الأقساط والاحتياجات المعيشية في الوقت نفسه.في المقابل، تؤكد مؤشرات جودة المحفظة بقاء مخاطر الائتمان ضمن مستويات قابلة للإدارة، إذ بلغت نسبة الديون غير العاملة في قروض الأفراد 5.4 %، وهي أدنى قليلاً من النسبة العامة للديون غير العاملة البالغة 5.5 %، بينما لم تتجاوز نسبة التعثر في القروض السكنية 2.5 %. كما أن 71 % من عدد قروض الأفراد تحمل أسعار فائدة ثابتة، ما يحد من تعرض غالبية المقترضين لتقلبات أسعار الفائدة.ولا تكشف هذه المؤشرات عن أزمة مديونية، وإنما تعكس حضوراً مؤثراً للائتمان في تمويل احتياجات الأسر وتملكها للأصول وتحريك الطلب المحلي، ضمن محفظة ما تزال مؤشرات جودتها مستقرة.وتبقى دلالة نمو قروض الأفراد مرتبطة بقدرة هذا الائتمان على الموازنة بين تلبية الاحتياجات الحالية وتمويل أصول ومنافع طويلة الأجل، مع الحفاظ على جودة المحفظة وقدرة المقترضين على السداد.فالقضية لا تتعلق بزيادة الاقتراض أو تراجعه بقدر ما ترتبط بالقيمة الاقتصادية التي يحققها التمويل، ومدى استمرار أثرها بعد سداد آخر قسط.قروض الأفراد.. بين تمويل الأصول والاستهلاك
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ