يُعتبر التوجيهي المرحلة التعليمية العليا في النظام الدراسي الأردني التي تشكّل مرحلة الفصل بالنسبة للطلبة، التي تحدد مستقبلهم، سواء بالانتقال إلى الجامعات واستكمال المسار الأكاديمي ودراسة التخصص المناسب، أو الذهاب إلى سوق العمل وتعلّم إحدى التخصصات المهنية والانخراط في سوق العمل.
ونتيجةً لأهمية هذه المرحلة، كان لها أثر كبير في انطباع النظرة المجتمعية لها، مما شكّل ضغطًا كبيرًا على الطلبة، وكان لها انطباع اجتماعي حرف بوصلة الموهبة لديهم في شق طريق حياتهم، مما انعكس على إنتاجية المجتمع ككل وإنتاجية الأفراد. فنادرًا ما تجد طالبًا انطلق بمستقبله بدافع الموهبة. فتوجيهات الأهل دومًا للأبناء بضرورة إكمال التعليم، ولو لم توجد لديهم رغبة في ذلك، حرصًا على النظرة المجتمعية والخروج بأفضل الصور، مما كان سببًا في تراجع مخرجات المسار المهني لعزوف الجميع عنه. وكذلك أحدث انفجارًا علميًا بزيادة خريجي الجامعات قليلي الكفاءات العلمية، مما ساهم في زيادة نسبة البطالة، وأحدث مشكلات اقتصادية بضعف الإقبال على القطاع المهني، وذلك أفقد بريق وهدف التعليم الذي أصبح الحصول على العلامة بأي طريقة كانت، على مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، فَوَجَّه تفكير العقول من الإبداع إلى الغش والخداع.حالة الطوارئ تبدأ من البيوت، وصدمات يتلقاها الطلبة من امتحان إلى امتحان، عامًا بعد عام، وانكسارات تمس نفوسهم بأول طريق حياتهم، لتصنع منهم أشخاصًا بلا عزيمة ويتقبلون كل هزيمة.لقد حان الوقت أن نوقف هذه المعاناة التي تمس الطلبة، وأن نجد نظامًا بديلًا للتوجيهي من شأنه أن يُفعّل ويعيد الموهبة والشغف في اختيار مهنة المستقبل، مما يساهم في تعظيم نفوسهم وتقوية شوكتهم أمام نوائب الدهر، ليكونوا أقوياء على مواجهة صعوبات وتحديات العصر. ويمكن الاستفادة من تطبيق طرق التعليم المتبعة في العديد من الدول الرائدة ونقل تجربتها في هذا الجانب، وألمانيا مثال على ذلك. فأتمنى من وزارة التربية والتعليم أن تدرس هذا النموذج وتبذل الجهد في سبيل تطبيقه لرفعة النظام التعليمي، حيث إن تطبيق التجربة الألمانية في التعليم إلى حدٍّ ما سيمنع استغلال هذه المرحلة ماديًا، كذلك سيزيل الضغط عن الأهل؛ لأن هذه التجربة تبدأ من الصغر، حيث يكون التعليم الأساسي والثانوي بمدة ١٢ عامًا، وكل أربع سنوات مرحلة حرجة في حياة الطالب التعليمية تعتمد على مهاراته لصقل موهبته وتكميل حياته بناءً على قدراته، إما أكاديميًا أو مهنيًا، مما يضع الشخص المناسب بالمكان المناسب.فالعلم مهد الحضارات، وبه تتقدم الأمم، وما تم اتخاذه من خطوة بجعل التوجيهي ثلاث سنوات، لعلها تكون سببًا في بلورة الثقافة الحقيقية والمعنى الحقيقي للمراحل التعليمية للفرد، بأن الهدف الأسمى منها هو مساعدة الفرد على اكتشاف ذاته ومهاراته، ليشق طريقه من ثغرة يخدم وطنه من خلالها، متسلحًا بالعلم والأخلاق.التوجيهي.. حان الوقت لإعادة النظر
مدار الساعة ـ