أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزلزال اليميني يهز أوروبا والشرق الأوسط


المحامي هيثم عريفج

الزلزال اليميني يهز أوروبا والشرق الأوسط

مدار الساعة ـ

النتيجة التي خرجت بها صناديق الاقتراع في ولاية ساكسونيا الألمانية يوم 6 أيلول/سبتمبر 2026 ليست مجرد انتخابات محلية في ولاية شرقية لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين. لكن عندما يحصل حزب البديل من أجل ألمانيا AFD على 43.8% من الأصوات، مقابل 17.2% فقط لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، بعد أن كان نصيب AFD نحو 20.8% في انتخابات عام 2021، فنحن أمام تحول سياسي لا يجوز التقليل من شأنه. الأهم أن هذا لم يحدث في ظل عزوف انتخابي، بل مع مشاركة مرتفعة بلغت النسبة 77.8%.

انها رسالة صريحة من الناخب الالماني. جزء كبير من الألمان لم يعد يريد إدارة السياسات القديمة بطريقة أفضل، بل يريد تغيير اتجاهها كاملا.

الأخطر بالنسبة للأحزاب التقليدية أن ساكسونيا لم تعد حالة يمكن عزلها داخل حدود ألمانيا الشرقية.

استطلاع ARD-DeutschlandTrend لشهر أيلول/سبتمبر 2026 يضع AFD على المستوى الاتحادي عند 27% من الاصوات، متقدمًا على CDU/CSU عند 21%، فيما لا تتجاوز نسبة الراضين عن أداء الائتلاف الحاكم الحالي نسبة 15%.

لذلك لم يعد السؤال الحقيقي ما إذا كان الحزب سيبقى محاصرًا خلف ما يسمى بالجدار الناري الذي يمنع الأحزاب التقليدية من التحالف مع الحزب المتطرف يمينيا. فالجدران الحزبية تستطيع منع تشكيل حكومة، لكنها لا تستطيع منع تحول المزاج الشعبي. وإذا أصبحت الأحزاب التقليدية مضطرة، حتى وهي ترفض التحالف مع اليمين، إلى تبني جزء متزايد من خطابه عن الهجرة والأمن والهوية واللجوء، فإن اليمين يكون قد بدأ بحكم السياسات قبل أن يحكم المؤسسات فعليا.

هنا تكمن أهمية ما يحدث لأوروبا كلها. فالقارة لا تتحرك بذات السرعة ولا نفس الاتجاه ، لكن الاتجاه العام واضح: الهجرة والهوية والسيادة الوطنية والأمن وكلفة المعيشة أصبحت تتقدم على كثير من الشعارات التي هيمنت على المشروع الأوروبي خلال العقود الماضية.

اليمين القومي يشارك أو يقود حكومات أوروبية عدة، وإيطاليا بقيادة ميلوني تقدم نموذجا لكيف يمكن لحركة خرجت من هامش النظام السياسي أن تتحول إلى قوة حاكمة مستقرة، فيما يتقدم اليمين الشعبوي في استطلاعات دول أوروبية كبرى أخرى. وإذا انضمت ألمانيا، بثقلها الاقتصادي والسياسي، إلى هذا الاتجاه بصورة أعمق، فلن نتحدث عن تعديل داخل دولة أوروبية، بل عن تغيير في مركز ثقل الاتحاد الأوروبي نفسه.

أوروبا اليمينية، إذا ترسخت، ستكون على الأرجح أقل انفتاحًا على الهجرة، وأكثر تشددًا في اللجوء والحدود والترحيل، وأكثر حساسية لمسائل الهوية والدين والاندماج، وأشد تمسكا بالمصلحة الوطنية في توزيع الأموال والمساعدات الخارجية. كما ستكون أقل انسجاما في السياسة الخارجية، فليس كل اليمين الأوروبي كتلة واحدة. بعضه أطلسي ومتشدد تجاه روسيا، وبعضه، وفي مقدمتهم قطاعات بارزة داخل AFD، يدعو إلى استعادة العلاقات مع موسكو وتقليص الدعم لأوكرانيا. لذلك قد نشهد اتحادا أوروبيا أكثر انقسامًا داخليا، وأقل قدرة على إنتاج سياسة خارجية واحدة، وأكثر ميلا إلى الصفقات الثنائية والمصلحة المباشرة بدل الخطاب الأوروبي الجماعي التقليدي.

فيما يتعلق بالأردن، يجب قراءة هذا التحول مبكرًا لا انتظار وصوله إلى الحكومات الأخرى. ألمانيا ليست دولة بعيدة عن المصالح الأردنية، فهي وفق الارقام الرسمية ثاني أكبر مانح للأردن بعد الولايات المتحدة، كما أن الاتحاد الأوروبي أطلق مع الأردن شراكة استراتيجية شاملة مدعومة بحزمة تبلغ 3 مليارات يورو للفترة 2025–2027. صعود اليمين لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الأردن، بل قد يحدث العكس تمامًا. فأوروبا التي تخشى موجات الهجرة والتطرف والفوضى ستنظر إلى الأردن بصورة متزايدة بوصفه دولة استقرار وحاجزا سياسيا وأمنيا مهما بين أزمات الإقليم والضفة الجنوبية للمتوسط. لكن طبيعة العلاقة قد تتغير: مساعدات أقل ارتباطا بالشعارات العامة، وأكثر ارتباطا بالأمن، وضبط الهجرة، واستقرار الحدود، واللاجئين، ومكافحة الإرهاب، والعائد السياسي المباشر للأموال الأوروبية.

هذا يحمل للأردن فرصة كما يحمل تحد. الفرصة أن قيمة الأردن الاستراتيجية بالنسبة لأوروبا قد ترتفع، وأن يصبح الاستقرار الأردني مصلحة أوروبية مباشرة أكثر من أي وقت مضى. والخطر أن تتحول العلاقة من شراكة سياسية واقتصادية بعيدة المدى إلى علاقة أمنية وظيفية تختزل الأردن في ملفات اللاجئين والهجرة والحدود. لذلك ينبغي للسياسة الأردنية أن تسبق التحول الأوروبي من خلال بناء علاقات سياسية منتظمة ليس فقط مع الحكومات والأحزاب التقليدية، بل مع القوى السياسية الصاعدة أيضا، وشرح مصالح الأردن ومواقفه مباشرة لها قبل أن تصل هذه القوى إلى مواقع القرار.

أما القضية الفلسطينية، فهنا تصبح الصورة أكثر حساسية. فمن الخطأ افتراض أن كل اليمين الأوروبي يتبنى الموقف نفسه من الشرق الأوسط، لكن جزءا مهما منه يميل إلى النظر إلى المنطقة من خلال ثلاث عدسات: إسرائيل، والإسلام السياسي، والهجرة. وAFD يؤيد بوضوح حق إسرائيل في الوجود والأمن، ويرفض الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية، وإن كانت شخصيات بارزة فيه تقول إنها تؤيد حل الدولتين إذا جاء بالتوافق مع إسرائيل وتوافرت شروط الأمن والاستقرار. وفي المقابل، تبنى الحزب أيضا مواقف تدعو إلى تجنب تورط ألمانيا في حروب الشرق الأوسط. ولذلك فإن صعوده لا يعني تلقائيا تبني كل سياسات الحكومة الإسرائيلية، لكنه قد يجعل البيئة السياسية الألمانية أقل استعدادا للضغط من أجل اعتراف أوروبي سريع بالدولة الفلسطينية، وأكثر ميلا إلى قراءة الصراع من زاوية الأمن ومحاربة التطرف بدل الحقوق الوطنية الفلسطينية وحدها.

هذا تطور يجب أن تدركه الدبلوماسية الفلسطينية والعربية جيدًا. القضية الفلسطينية استفادت تاريخيا من خطاب أوروبي يستند إلى القانون الدولي وحق تقرير المصير وحل الدولتين، وهو ما لا تزال ألمانيا الرسمية تتبناه حتى الآن. لكن كلما اتجه المزاج الأوروبي نحو القومية والأمن والحدود، أصبح الاعتماد على الخطاب الأخلاقي وحده أقل فاعلية. المطلوب خطاب عربي جديد يربط إقامة الدولة الفلسطينية ليس فقط بالعدالة التاريخية وحقوق الفلسطينيين، بل أيضًا بالمصلحة الأوروبية ذاتها، الاستقرار الإقليمي، ومنع الحروب، ووقف التهجير، ومنع موجات لجوء جديدة، ومحاصرة التطرف، وتأمين المتوسط. ففي عالم تحكمه المصالح بصورة متزايدة، يجب أن تُعرض العدالة أيضًا باعتبارها مصلحة.

الشرق الأوسط بدوره سيكون أمام أوروبا مختلفة: أكثر براغماتية، وأكثر حذرا ، وأقل استعدادا لدفع أثمان أزمات لا ترى فيها مصلحة أوروبية مباشرة.

هذه رسالة إلى العواصم العربية بأن المرحلة المقبلة لن تسمح بسياسة انتظار ما تقرره برلين وباريس وبروكسل ثم التعامل معه. القوى التي كانت على هامش الحياة السياسية الأوروبية أصبحت على أبواب السلطة، وبعضها قد يصل إليها خلال سنوات قليلة. والسياسة الخارجية الذكية تتحدث مع القوى قبل أن تصبح حكومات، لا بعدها.

مدار الساعة ـ